منشورات سرية للغاية ....

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 16, 2009 5:04 am

تحية للجميع ....
كنت في وقت سابق قد طرحت موضوعاً اسمه " منسورات سرية - الإسلام في الأسر " و قد تغيبت لفترة عن المنتدى لظروف خاصة و عندما عدت رأيت الموضوع في قسم الأرشيف و هو مغلق لذلك احاول هنا إعادة طرح الموضوع بصيغة جديدة ...

أولا ما هي هذه المنشورات ؟ و لماذا هي منشورات بالأصل ؟
من هو كاتبها ؟ و لمن هي موجهة ؟

دعونا نبداً .....
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 16, 2009 5:08 am

الكاتب هو الصادق النيهوم .... من هو ؟

الصادق النيهوم (1937 بنغازي - 1994 جنيف) كاتب و أديب و فيلسوف ليبي.
سيرته :
ولد الصادق النيهوم في مدينة بنغازي عام 1937. درس جميع مراحل التعليم بها إلى أن انتقل إلي الجامعة الليبية، وتحديدا بكلية الآداب والتربية - قسم اللغة العربية، وتخرج منها عام 1961 وكان ينشر المقالات في جريدة بنغازي بين عامي 1958-1959 ومن ثم عُين معيداً في كلية الآداب.
أعدَّ أطروحة الدكتوراه في " الأديان المقارنة" بإشراف الدكتورة بنت الشاطيء جامعة القاهرة، وانتقل بعدها إلى ألمانيا، وأتم أطروحته في جامعة ميونيخ بإشراف مجموعة من المستشرقين الألمان، ونال الدكتوراه بامتياز. تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عامين.

درَّس مادة الأديان المقارنة كأستاذ مساعد بقسم الدراسات الشرقية بجامعة هلنسكي بفنلندا من عام 1968 إلى 1972.

يجيد، إلى جانب اللغة العربية، الألمانية والفنلندية والإنجليزية والفرنسية والعبرية والآرامية المنقرضة

تزوج عام 1966 من زوجته الأولى الفنلندية ورُزق منها بولده كريم وابنته أمينة، وكان وقتها مستقراً في هلسنكي عاصمة فنلندا، انتقل إلى الإقامة في جنيف عام 1976 وتزوج للمرة الثانية من السيدة ( أوديت حنا ) الفلسطينية الأصل.

توفي في جنيف يوم 15 نوفمبر 1994 ودُفن بمسقط رأسه مدينة بنغازي يوم 20 نوفمبر 1994.

كتب لصحيفة الحقبقة الليبية حينها، نشر أول مقالاته (هذه تجربتي أنا) مع بداية الصدور اليومي لصحيفة الحقيقة كما نشر بها

- الكلمة والصورة

- الحديث عن المرأة

- عاشق من أفريقيا

- دراسة لديوان شعر محمد الفيتوري

نشر سنة 1967 مجموعة دراسات منها (الذي يأتي والذي لا يأتي) و (الرمز في القرآن)، وأصبح في هذة الفترة يمثل ظاهرة أدبية غير مسبوقة، وأخذ يثير اهتمام القراء، وكانت أطروحاته وأفكاره تتضمن أسلوباً مميزاً يشهد له الجميع بالحيوية والانطلاق،

وفي عام 1969 كتب دراسة (العودة المحزنة للبحر)، ونشر عدد من قصص الأطفال، وأهداها إلي طفله كريم، ونشر عام 1970 رواية (من مكة إلي هنا)، وفي 1973 صدر له كتاب (فرسان بلا معركة) و(تحية طيبة وبعد)، وأقام من 1974 إلي 1975 في بيروت، وكتب أسبوعيا بمجلة الأسبوع العربي، وأشرف على إصدار موسوعة (عالمنا -صحراؤنا -أطفالنا - وطننا - عالمنا)، ومن ثم صدرت رواية (القرود).

انتقل إلي الإقامة في جنيف عام 1976 وأسس دار التراث، ثم دار المختار، وأصدر سلسلة من الموسوعات أهمها(موسوعة تاريخنا - موسوعة بهجة المعرفة)، وعمل بجامعة جينيف أستاذاً محاضراً في الأديان المقارن حتى وفاته.

عام 1986 صدرت له رواية (الحيوانات)، وفي 1987 صدر له كتاب (صوت الناس)، وعام 1988 بدأ الكتابة في مجلة الناقد منذ صدور الأعداد الأول منها في لندن. استمر بالكتابة بها إلي أن وافته المنية في عام 1994، صدر له كتاب (محنة ثقافة مزورة) عن دار نجيب الريس في لبنان عام 1991 ساهم في الكتابة في مجلة (لا) الليبية، كما صدر له كتاب (الإسلام في الأسر) عن دار نجيب الريس بلبنان، كذلك وفي نفس الدار صدر له كتاب ( إسلام ضد الإسلام). وفي عام 2001 صدر عن دار تالة الليبية كتاب (طرق مغطاة بالثلج). توفي الصادق النيهوم بمدينة جينيف السويسرية عام 1994.

مجالات تأليفه :
النقد الادبى والمقالة الأدبية والقصة القصيرة والرويات .

إصداراته :
* روايات:
o من مكة إلي هنا. دار الحقيقة، 1970م/ بنغازي
o من قصص الأطفال. 1972م/ بنغازي
o الحيوانات. الدار الجماهيرية، 1984م/ طرابلس
o القرود. دار الحقيقة، 1975م/ بنغازي
* كتب:
o الرمز في القرآن دار الريس،
o إسلام ضد الإسلام. دار الريس، 1995م/ لندن
o الإسلام في الأسر. دار الريس، 1991م/ لندن
o فرسان بلا معركة. دار الحقيقة، 1973م/ بنغازي
o صوت الناس. دار الريس 1990م/ لندن
o محنة ثقافة مزورة
o طرق مغطاة بالثلج. دار تالة، 2001 م /طرابلس ( صدر بعد وفاته – جمع وإعداد الأستاذ سالم الكبتي) [1]
o دراسة (العودة المحزنة للبحر)
o الذي ياتي والذي لا يأتي
o تحية طيبة وبعد. دار الحقيقة 1972م بنغازي
* موسوعات:
o موسوعة تاريخنا ستة اجزاء. دار التراث، جنيف، سويسرا 1977
o موسوعة بهجة المعرفة
o موسوعة عالمنا
o موسوعة صحراؤنا
o موسوعة أطفالنا
o موسوعة وطننا
o موسوعة عالمنا
o أطلس الرحلات (8 أجزاء) عام 1979
o موسوعة الشباب المصورة (8 أجزاء)
o موسوعة السلاح المصورة
* ترجمات:
o بابا هيمنجواى كتاب 1966م
o موت رئيس جمهورية كتاب 1967م
o تعليق على مذكرات خرتشوف كتاب 1971م
o موسوعة اصل الحضارة(ستوري أوف سفيليزيشن) ل:ويل ديورانت

* إنتاج تلفزيوني:
o الشعب المسلح
o كي لا ننسى

المصدر : http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%87%D9%88%D9%85
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 16, 2009 5:15 am

لماذا هي منشورات ؟

صوت الناس أم صوت الفقهاء ... كان هذا هو العنوان الأساسي الذي ناضل من أجله الصداق النيهوم ... الاسلام كدين و كتجربة حياة لا يمكن أن يظل أسير التاريخ المزيف و المحور لمصلحة الاقطاع المتمثل بما يسمى بالفقه الاسلامي
لهذا فإن اي طرح لهذا الموضوع هو بمثابة تجرع كأس السم للإنتحار و من يكتب بهذه الطريقة عليه أن يواجه الملايين و الملايين من البسطاء المغشوشين ....
من سرق الجامع و اين اختفى يوم الجمعة ... لمذا فشلنا .... لنتابع
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 16, 2009 5:18 am

المنشور الأول


مشكلة اللغة أن كلماتها لا تنقسم إلى صحيح و خطأ فقط, كما يقول النحاة , بل تنقسم أيضا إلى كلمة حية , و كلمة ميتة , و هو انقسام حقيقي , و شامل , و فعّال جدا , لكن علم النحو , لا يستطيع أن يكشفه , لأنه لا يظهر في بناء اللغة , بل يكمن وراء سلوك الناس . علامة الكلمة الميتة , أنها مطوعة - تاريخيا - لخدمة أغراض السحرة . فقد بدأت مسيرة اللغة المكتوبة بتعاظم الحاجة إلى تبرير نظرية الحكم الفردي , في إقطاعيات الشرق القديم. و تطوع الكهنة لأداء هذه المهمة المستحيلة , قبل أن يعرفوا أنها مستحيلة حقا . فخلال وقت قصير , كان من الواضح , أن مبدأ الحكم الفردي , فكرة غير طبيعية , لا يمكن تبريرها إلا بمنهج الأسطورة و كان الكهنة الذين صار اسمهم (علماء) مشغولين بتوفير هذه الأسطورة تحريريا على ألواح من الطين المجفف
أول لوح , صدر في سومر , عند مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد , و حمل تقريرا سياسيا مؤدّاه أن ( الإله شمش الذي يعيش في العالم الآخر , قد نزل ليلا إلى هذا العالم , و وهب مفاتيح الأقاليم الأربعة للملك جلجامش ). و من قاموس هذه القصة الليلية , ولدت لغة الأسطورة رسمياً .
فكلمة (العالم الآخر) التي نحتها الكهنة من لغة الناس , لم تكن كلمة , بل كانت ( عالما آخر مجهولا بأكمله) , له ثلاث صفات جديدة , مجهزة عمدا على مقاس السحرة :
الصفة الأولى : أنه عالم غائب عن عيون الناس , لا يعرف أسراره أحد, سوى الكاهن الذي يتكهن بأسرار الغيب . و هي مغالطة شفوية بحتة , لكنها ضمنت للكهنة , أن يحتكروا تفسير الشرائع حتى الآن .
الصفة الثانية : أنه عالم حيّ, لكن بوابته الوحيدة, تقع وراء الموت , مما يعني عمليا , أن مستقبل الناس الأحياء , يبدأ - فقط بعد أن يموتوا
الصفة الثالثة : أنه عالم خارج عن سنن الطبيعة , تنطق فيه الأصنام , و ترتاده التنانين المجنحة , لكنه هو العالم الحقيقي , لأنه أزلي و خالد . و هي صياغة تريد أن تقول - فقط أن عالم الناس الأحياء , ليس عالما حقيقيا .
خلال قرن واحد من عمر سومر , كان الكهنة قد ضمنوا لأنفسهم المقام الثاني في أول دولة أقطاعية عرفها التاريخ , و كان أهل سومر , قد خرجوا من الحياة الدنيا دون أن يدروا وذهبوا للحياة , في عالم آخر , و جديد , و غائب , و خرافي , و غير معقول إلى ما لا نهاية هذا العالم الآخر , لم يكتشفه الكهنة في السماء , بل ابتدعوه - شفويا - في لغة الناس على الأرض . أنهم لم يخلقوا عالما غائبا , بل خلقوا لغة غائبة , مسخرة للحديث عن عالم أسطوري , لا يعرفه أحد من الأحياء على الأقل . و في ظل هذه الخدعة الشفوية , كان بوسع الكاهن , أن يقلب لغة الناس رأسا على عقب .
انه يذبح طفلا حيا , على قدمي صنم ميت . لكن الناس لا يسمونه ( رجلا مجنونا ) بل يسمونه ( حكيما عالما بأسرار الغيب ) , فهو لا يذبح الطفل حقا , بل يرسله إلى الحياة الخالدة في عالم آخر . و ذبح الطفل ليس جريمة دنيئة , بل شعائر دينية في قاموس العالم الآخر. أن كل مايفعله الكاهن المميت , يمكن تبريره للناس الأحياء , بلغتهم الحية , ما دامت اللغة نفسها لا تخاطب عالم الأحياء أصلا .
لهذا السبب و رداً على هذه الخدعة الشفوية بالذات , ولدت لغة الدين . و قد تميز ميلادها بظهور كتاب مقدس لم يكتبه الكهنة , له لغة مقدسة ( غير لغة الكهنة ) , لا ينكر ألوهية الصنم فحسب بل ينكر عالمه الغائب من أساسه . و في نصّ هذا الكتاب المقدس , تكلم الإله الحيّ و سكت الصنم الميت , و بات العالم قابلا للتفسير بلسان الأحياء فقط .
فكلمة ( عالم الغيب ) في لغة الإنسان الحيّ تعني - حرفيا - عالم المستقبل , لأن المستقبل هو العالم الوحيد الغائب الذي يعرفه الناس الأحياء , و يتوقون بوجوده , دون أن يروه
و يعلمون أنه آت , و يتحملون مسؤوليته شرعا . و قد التزم الدين بهذا التفسير الحي
و رفض كل تفسير سواه , و جعله شريعة إلهية , و سماه ( مقدسا ) لكي يميزه عن تفسير السحرة , و نجح بذلك في استعادة اللغة الغائبة في السماء , إلى واقع الناس على الأرض .
إن العالم الذي قلبه الكهنة , يستعيد توازنه فجأة , في ثلاثة مواقع رئيسية :
في الموقع الأول ؛ لم يعد علم الغيب , غائبا عن عيون الناس , بل صار اسمه المستقبل
و صار بوسع الناس أن يعرفوا مستقبلهم سلفا , بقليل من المنطق و علم الحساب .
في الموقع الثاني ؛ لم يعد عالم الغيب خارجا عن سنن الطبيعة , بل صار طبيعيا , و صار قابلا للتفسير العلمي , حتى إذا نطقت فيه الأصنام , و ارتادته التنانين المجنحة . فمستقبل الإنسان عالم مدهش - مثل عالم السحرة الغائب - لكنه لا يحتاج إلى لغة الأساطير .
هذا التفسير الديني لكلمة ( عالم الغيب ) , رفضه الكهنة في جميع العصور , بحجة أنه تفسير ألحادي , قائم على إنكار البعث بعد الموت . و هي تهمة مقلوبة مثل كل شيء في لغة السحرة , لأن الدين لا يؤكد فكرة البعث فحسب , بل يفسرها باللغة الوحيدة التي يفهمها الأحياء فالناس لا يرون الميت حيا في السماء , بل يرونه حيا في أعماله على الأرض . أنهم لا يحتاجون إلى دليل على صحة البعث؛ لأن واقعهم نفسه هو الدليل . و قد التزم الدين بما تراه عيون الناس , فأعلن أن البعث رهن بالأعمال وحدها , و أن ( من يعمل مثقال خير يره و من يعمل مثقال ذرة شر يره ) هنا في واقع الناس على الأرض , و في مستقبلهم معا . و هو تفسير لا يقول أن الإنسان يفنى بعد الموت , بل يقول أنه لا يستطيع أن يفنى - حتى إذا أراد - أنه يعيش مع أعماله في لوح محفوظ .
إن الدين لا ينكر حق الحي في الحياة الخالدة , لكنه لا يتحدث عن الموتى , و لا يكلم الناس الحاضرين , عن عالم غير حاضر , بل يخاطب الأحياء , بلغة الأحياء , و يقول أنهم مسئولون شرعا عن الحاضر و المستقبل , لأنهم مسئولون حقا , و عمليا , و بالفعل
و بالمنطق , و بالعدل , وبالحساب .
في كالديا - جارة سومر - افتتح النبي إبراهيم مسيرة الدين , بدعوة معلنة إلى تحطيم الأصنام و تحريم القربان البشري . و بدأت بذلك معركة هائلة بين شريعتين , تتقاتلان بالسيوف في لغة واحدة .
شريعة تعني فيها كلمة (( الرب )) صنما ميتا , و شريعة تعني فيه الكلمة نفسها إلها حيا . إحداهما تقول أن عالم الغيب غائب عن عيون الناس , لا تراه سوى عين الكاهن . و الأخرى تقول أن عالم الغيب , اسمه المستقبل , و أن الناس يرون مستقبلهم جيدا , لأنه يولد في حاضرهم , و يكون من صنع أيديهم . إن الفرق الهائل بين هاتين الشريعتين , لا يظهر في بناء اللغة , بل يظهر في بناء المواطن .
فشريعة السحرة , تتكلم بلسان الصنم الغائب , و تخاطب مواطنا مغيبا عن حاضره, علامة غيابه , انه ينكر ما تراه عيناه , و ينكر ما يقوله عقله , حتى يسجد خاشعا في حضرة صنم .
و شريعة الدين , تتكلم بلسان الإله الحيّ , و تخاطب مواطنا حاضرا في عالم الأحياء علامة حضوره , انه مسؤول شخصيا عن واقعه و مستقبله , لأنه لا يعول على ما يقوله الساحر .
بين هذين المواطنين ثمة فجوة واسعة , بقدر الفجوة بين رجل حيّ و جثة رجل . وهي فجوة منظورة , و ظاهرة للعيان في وضح النهار , تعيش مثل الناس الأحياء أنفسهم , و تتنفس في مجتمعهم , و قوانينهم , و نظم حكمهم , كما تحل الروح في الجسد . و في ضوء هذا المقياس العلني , يكون التمييز سهلا - و علنيا - بين ما يدعى باسم الصحوة الدينية و بين صحوة الدين نفسه .
إن الدعوة التي ترتفع حاليا , تحت شعار ( الصحوة الإسلامية ) , دعوة لا تتكلم لغة الإسلام لأنها لا تنادي بمسؤولية الأحياء عن حاضرهم و مستقبلهم , بل تنادي بمسؤولية الأئمة
و المشايخ و رجال الدين . و هي علامة معروفة في لغة الصنم يستحيل تمريرها بوسائل الفصاحة , لأنها تنطق علنا في سلوك الناس .
ففي ظل هذه الصحوة الإسلامية , يولد الآن مجتمع أسلامي مغيّب , علامة غيابه أنه ينكر ما تراه عيناه , و ينكر ما يقوله عقله , و يفعل ذلك علنا , و رسميا , وباسم الإسلام نفسه لأنه يملك إسلاما شفويا قادرا على تبرير الخطيئة بالكلام .
في هذا المجتمع الغائب , يحكم الصنم - و عائلته - باسم الشرع و يقاد المسلمون بالعصي
و الكلاب المدربة , كما تقاد الخرفان . لكن الشريعة الشفوية , لا تسمي القطيع قطيعا , بل تسميه ( رعية ) في استعراض واضح لما تستطيع اللغة أن تفعله على يد رجل بليغ .
في هذا المجتمع الغائب , تقضي المرأة المسلمة عقوبة السجن المؤبد , في زنزانة متنقلة اسمها ( الحجاب) . و تداهمها أمراض السجناء علنا , من العمى المبكر , إلى التخلف العقلي لكن الشريعة الشفوية , لا تسميها ( امرأة سجينة ) بل تسميها ( سيدة مصون ) , بحذف التاء من رأس النون , زيادة في طلب الفصاحة .
في هذا المجتمع الغائب , يولد الطفل البريء , تحت اسم ( عفريت) . و يتولى معلمه حبسه في القمقم , بضربه و ركله , و قرصه , و لعنه , لكن الشريعة الشفوية , لا تسمي التعذيب تعذيبا , بل تسميه ( تهذيبا) لأن الجناس و الطباق أفضل من الصدق .
في هذا المجتمع الغائب , يعادي رجال الدين الوقورون جسد الإنسان , و يسمون وجه المرأة (عورة ) , و هي إهانة لا يستحقها وجه الذئب نفسه , لكن الشريعة الشفوية لا تفرق بين الوجوه .
في هذا المجتمع الغائب , يزدهر السحر في ثياب الحكمة , و يتولى الوعّاظ الأميون إرشاد الناس في شؤون الدنيا و الآخرة معا , من دون معرفة أو تأهيل . لكن الشريعة الشفوية , لا تسمي الواعظ الأمي ساحرا , بل تسميه ( رجل الله العارف بالأسرار الخفية ), في فتوى لا بد منها لتغطية رأس الجهل بطاقية الإخفاء .
في هذا المجتمع الغائب ,تسود قيم أخلاقية اسمها ( حميدة ), و كل الناس يحمدون ربهم تحت إدارة تقر حكم الفرد , و تقر منطق القوة , و تعترف بشرعية القتل , و تكذب علنا في جميع وسائل إعلامها الرسمية , و في مناخ اجتماعي من هذا النوع , تكون القيم الحميدة فعلا
و المفيدة فعلا هي الكذب و الغش و الخداع والنفاق و القسوة والإغواء , و القدرة على التعايش مع الظلم إلى ما لا نهاية , لكن الشريعة الشفوية , لا ترى حجم الفرق بين مواطن يشرب من النهر , و مواطن يركض وراء السراب .
إن هذه ( الصحوة الإسلامية ) التي تريد أن يستيقظ الإسلام , و ينام المسلمون , دعوة ينقصها صوت الإله الحيَ, و ليس بوسعها أن تعوض هذا النقص , بالفصاحة أو بالشطارة , و ادعاء الغيرة على الدين , و ليس بوسعها أن تجنّب المسلمين الخلود في النار , إلا إذا اكتشفت الفجوة القائمة بين لغة الإسلام و بين لغة الكهنة , و عادت من عالمها الغائب في أقوال الأئمة
و المشايخ , و ضمنت مسؤولية المواطن الحيّ عن الحاضر و المستقبل , في نظام إداري قادر على توفير الضمان .
من دون هذه الشروط , ينقطع الجسر القائم بين المسلمين و بين الإسلام , و يدير كلاهما ظهره للآخر في السرّ و العلن , على غرار ما يحدث الآن , باسم ( الصحوة الإسلامية ) فالدين لا يخاطب المواطن الحيّ , إلا إذا خاطب واقعه المعاش , و تكلم بلسانه , و أعاد إليه صوته في شؤون الإدارة و الحكم . و هو شرط لا يوفي به إسلام يقوم على سلطة الموتى بل إسلام يقوم على سلطة الأحياء .


انتهى المنشور الأول
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 16, 2009 5:21 am

المنشور الثاني


إحدى الثغرات الواسعة جدا في تعاليم الفقه الإسلامي تتمثل في إصرار الفقهاء على أن قواعد الإسلام خمس ليس بينها قاعدة واحدة لها علاقة بشؤون الحكم .
فإذا شهد المواطن لأن لا اله إلا الله وصلّى و صام و أخرج الزكاة و ذهب إلى الحج يصبح مواطنا مسلما مستوفيا لجميع شروط الفقهاء , بغض النظر عّما يحدث له و بغض النظر عمّا سيحدث لعياله .
نظرية القواعد الخمس لا تستند إلى نص القرآن بل تستند إلى حديث رواه صحابي يدعى أبو هريرة و قد أتيح لها سبيل التطبيق العملي طوال أربعة عشر قرنا حتى الآن , قضاها بلايين المسلمين , يصلون , و يصومون , ويزكون , و يحجون , محاذرين أن تنهدم قاعدة واحدة من قواعد الإسلام . لكن حصيلة هذه التجربة التاريخية الطويلة لا تقول تاريخيا سوى أن الإسلام نفسه قد أنهدم منذ عصر بني أمية و أن المواطن المسلم عاش مسلما كما عاش المواطن الفرعوني فرعونيا في ظل أسرة أقطاعية مسلحة تبدد ثروته على أمراء العسكر
و تحرمه من الضمان الاجتماعي و تقطع يده إذا سرق و تقطع رأسه إذا تكلم .
و لعل المنهج الحكومي المتبع حاليا في كتابة التاريخ الإسلامي سوف يظل قادرا على أخفاء حجم الكارثة عن أعين المسلمين أربعة عشر قرنا آخر .
و لعل معلم حصة الدين لن يتعب أبدا من تلقين ( قواعد الإسلام الخمس ) لصغار الأطفال آملا أن يصنع مسلمين من نصف الإسلام .
و لعل وسائل القمع السياسي سوف تظل قادرة على تهيئة المناخ المطلوب لنمو مواطن مسلوب الإرادة , مثل المواطن الذي تخاطبه نظرية القواعد الخمس .
كل الاحتمالات الصعبة واردة ما عدا احتمالا واحدا فقط لا غير ذلك أن تنجح هذه النظرية الفقهية المصطنعة في تطبيق الإسلام .
فهذه نظرية ولدت أصلا في غياب الإسلام و قد ولدت بالقوة رغم أنف الفقهاء و المسلمين معا بعد أن نجح بنو أميّة في استعادة نظام الإقطاع و استبدلوا جيوش الجهاد بجيش مأجور محترف يقوده قتلة محترفون من طراز مسلم بن عقبة و زياد بن أبيه و الحجاج بن يوسف فقد بلغ من ولاء هذا الجيش لذهب بني أميّة أنه قصف الكعبة بالمنجنيق و هدم بيوت مكّة على رؤوس سكانها و صلب فيها حفيد أبي بكر الصديق و انتقم من سكان المدينة أنصار الرسول وقتل حفيد رسول الله نفسه في كربلاء.
و أمام هذا السيف القاطع كان على الفقه الإسلامي أن يختار بين طريقين . أحداهما أن يموت الفقهاء و الأخرى أن يموت الإسلام . و رغم أن كثيرا من الفقهاء العظام قد اختار سبيل الشهادة فان أغلبهم كان مضطرّا إلى العودة إلى عياله في آخر النهار . و قد انجلت هذه المعركة خلال وقت قصير نسبيا وعاد الخليفة الذي كان قد هدم الكعبة و أحرق أستارها فجأة لأداء فريضة الحج على رأس وفد من الفقهاء .في ظل هذه الظروف الطارئة كان على الفقه الإسلامي أن يكتشف صيغة جديدة للإسلام تتوفر لها ثلاثة شروط خاصة كل منها يناقض نصا صريحا من القرآن .
الشرط الأول : أن تكون صيغة مطوعة للتعايش مع حكم الفرد و القرآن يسمي الحاكم الفرد {فرعون انه طغى } ويعتبره { عدو الله } شخصيا و يدعو إلى القتال ضده تحت راية الجهاد المقدس في سبيل الله .
الشرط الثاني : أن تكون صيغة لا تعترف بمسؤولية الناس عن شؤون الحكم و القرآن يرفض هذه الصيغة جملة و تفصيلا و يعتبر الناس وحدهم هم المسؤولون عن شؤون الحكم , و يقول لهم كل يوم :{ و ما أصابكم من مصيبة , فبما كسبت أيديكم }( سورة الشورى 30(
الشرط الثالث : أن تكون صيغة قادرة على إرضاء ضمير الفرد بغض النظر عما يحدث للجماعة . و القرآن يستنكر هذا الحل الكهنوتي و يعتبره تكذيبا سافرا بالدين نفسه في نصوص صريحة .
خلال البحث المستمر عن هذه الصيغة المستحيلة تشكلت نظرية القواعد الخمس تلقائيا و من دون أن يكتبها أحد . فلم يكن ثمة قواعد أخرى على أي حال . و لم يكن من شأن الحكم الأموي أن يترك للإسلام قاعدة واحدة لها علاقة بشؤون الحكم الأموي . لكن الفقهاء اختاروا أن يكرسوا هذا الواقع دينيا باعتبار أن أداء القواعد الخمس هو نفسه كل الإسلام . و قبل أن ينقضي قرن واحد على نشأة علم الفقه كان هذا العلم دعوة إعلامية سافرة للتعايش مع الإقطاع و كان الإسلام قد خسر نصف قواعده بشهادة مصدق عليها من فقها الإسلام .
اختفت قاعدة العدل , فتحول ( بيت مال المسلمين ) من ميزانية عامة إلى ثروة عائلية خاصة و يبددها بني أمية على شراء المغنيات . و هو انقلاب لا يعني في الواقع سوى أن الإقطاع قد انتصر على الناس مرة أخرى و أنه انتصر عليهم هذه المرة باسم الإسلام
اختفت قاعدة المساواة و خسر كل مسلم على حدة لكن أكثر المسلمين خسارة , كانوا بالطبع هم أقل المسلمين حيلة و قوة . فقد خسر الطفل المسلم حقه في التعليم المجاني و خسرت المرأة المسلمة حقها في الهواء و الشمس .
اختفت قاعدة الجهاد ) في سبيل الله , و المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان. سورة النساء 75 ) , فأصبح المجاهد المسلم جنديا مأجورا للعمل في خدمة الإقطاع و بات عليه منذ ذلك الوقت أن يقاتل ضد المستضعفين بالذات .
كل قاعدة سنها الإسلام لضمان حق المواطن المسلم في حياة كريمة , اختفت رسميا من قائمة قواعد الإسلام . و لم يبق في الساحة سوى قاعدة أداء الشعائر التي أجهد الفقهاء أنفسهم في دعمها بنصوص القرآن آملين أن يخمدوا ثورة عالمية واسعة النطاق بتعويذة يقرأها فقيه .
و هو أمل كان من شأنه أن أضطر الفقهاء المسلمون إلى الحياة دائما على حافة بركان .
فالقرآن الذي يريد الفقهاء أن يحتووه لا يقول أن قواعد الإسلام خمس و لا يفرق بين شعائر الأديان و لا يضمن الجنة لأحد و لا يعترف أصلا بمثل هذا المنهج الكهنوتي .
إن الكنيسة هي التي تقول { لا صلاح خارج الكنيسة } . أما القرآن فقد جاء لهدم هذا المبدأ بالذات و تحرير مصائر الناس من قبضة الكنيسة و فتح باب الخلاص أمام كل من يسعى إلى الخلاص . بغض النظر عن لونه و جنسه و شعائره الدينية . و من البديهي أن القرآن لا يعمل لتحقيق هذه الثورة بتأسيس كنيسة إضافية لها شعائر إضافية بل بإنهاء الوصاية على الدين
و مواجهة الناس بمسؤولياتهم الشخصية عما يحدث لهم و عما يحدث لعيالهم في هذه الحياة الدنيا .
إن القرآن لا يطالب الناس بأداء الشعائر ثمنا للجنة بعد الموت بل يطالبهم أولا بأن يكسبوا لأنفسهم جنة هنا على الأرض . و منهجه الصريح في هذه الدعوة أن الناس مسؤولون شرعا عن شؤون الدنيا . و أن مسؤوليتهم لها قواعد شرعية محددة . منها أن يكون لهم صوت مسموع في أجهزة الإدارة و الحكم لكي يضمنوا لأنفسهم تحقيق العدل الدائم بالأشراف الدائم على صياغة القوانين .
هذه القواعد الإدارية جزء أساسي جدا من بناء الإسلام . لا يقوم الإسلام من دونها ولم يقل القرآن انه يقوم . لكن الفقه الإسلامي لم يشأ أن يدرجها في خانة القواعد الخمس لأنه أولا لم يكن فقها, بل كان سياسة ولأنه ثانيا كان سياسة موجهة عمدا ضد حق الناس في بقية الإسلام
لقد جرى تبنى القواعد الخمسة بعناية فائقة ، وحرص بالغ ، لكي يتوفر لها شرطان غريبان حقاَ عن روح الدين :
الأول : أن لا يتعارض أداؤها مع سياسة الدولة مهما كانت هذه السياسة .
والثاني: أن تكون قادرة على إرضاء ضمير المسلم بغض النظر عما يحدث للمسلمين . ورغم أن الفقهاء لم يعثروا على القواعد الخمسة في نص قرآني محدد ، فأنهم وجدوا لأنفسهم حديثاً رواه ابوهريرة عن رسول الله قال : كان رسول الله يوماً بارزاً للناس .فأتاه رجل فقال :
( ما الإسلام ، يا رسول الله ؟ ) : . قال : ( الإسلام أن تعبد الله ، ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ) .
وبموجب هذا الحديث أباح الفقهاء الأمويون لأنفسهم أن يفصلوا الإسلام عن شؤون الحكم ويجعلوا أداء الشعائر الإسلامية بديلاً شرعياً عن بقية الإسلام متعمدين أن لا يتذكروا أن رسول الله كان يتحدث من واقع اسلامى مختلف ، تم تحريره من سيطرة الإقطاع بقوة السلاح و أن اعتماد هذا الحديث في نظام إقطاعي من طراز النظام الأموي فكرة لا يقبلها الرسول بالذات ولا يجوز شرعاً أن تنسب إليه . إن الفقهاء الأمويين ، وهم معلمو أئمة المذاهب الإسلامية يكتشفون إسلاما مطوعاً عمداً للتعايش مع الحكم الأموي.
علامة هذا الإسلام الجديد أن قواعده الخمس مجهزة خاصة على مقياس مواطن مسلوب الإرادة خسر جميع حقوقه السياسية من حقه فى الضمان الاجتماعي إلى حقه فى إعلان المعارضة وبات عليه أن يكسب قوت عياله فى مجتمع اقطاعى شديد القسوة موجه برمته لخدمة مصالح الإقطاع وفى سبيل رزق العيال كان على المواطن المسلم أن يشغل جميع الخانات الشاغرة للعمل المتاح في مثل هذا المجتمع من خانة السياف في قصر الخليفة إلى خانة الجارية المغنية في حريمه . إن مواصفات هذا المسلم الجديد تتحول على يد الفقه إلى خمس قواعد جديدة للإسلام :
القاعدة الأولى: أن يشهد المواطن بأن الله وحده صاحب الملك من دون أن يلاحظ أن الملك نفسه قد سرقه بنو أميّة .
القاعدة الثانية : أن يؤدّي المسلم صلواته لكي تنهاه الصلاة عن الفحشاء و المنكر في دولة تشجع بيع الرقيق و تبذر مال الفقراء على شراء المرتزقة .
القاعدة الثالثة : أن يخرج المواطن زكاة من ماله للفقراء و ينسى أن الفقر نفسه سببه الإدارة الإقطاعية الفاشلة في نظام بني أميّة .
القاعدة الرابعة : أن يصوم المواطن شهر رمضان لكي يعلو بنفسه فوق الشهوات حتى إذا كان حكم بني أميّة قد حرمه من كل شهوة أصلا .
القاعدة الخامسة : أن يذهب المواطن إلى الحج لكي يؤدّي المناسك على سنة رسول الله من دون أن يتذكّر أن الرسول كان قد جاء للحج بعد أن حرر مكة من نفوذ الكهنة و الأسر الحاكمة معا و منها بالذات أسرة بني أميّة .
إن هذا المسلم الجديد الذي صنعه فقهاء بني أميّة على هواهم قد صار عمره الآن أربعة عشر قرنا من دون أن يبلغ سن الرشد . فهو لا يزال مواطنا معفيا من مسؤوليته عن حياته
و معفيا من مسؤوليته عن شؤون الدولة التي تقرر مصيره و مصير عياله و لا يزال الإعفاء ساري المفعول شرعا بضمان من نظرية الأركان الخمسة . و إذا كانت هذه الحقيقة قابلة للمحو من تاريخ المسلمين المكتوب فان واقع المسلمين يذكرهم يوميا بجميع التفاصيل . أن بعض الإسلام لا يعوض الناس عن الإسلام كله .
و الخطأ المميت الذي وقعت فيه نظرية القواعد الخمس أنها نجحت في التعويض عن الكل بالجزء و نجحت في إقناع المواطن المسلم بقبول هذه الخسارة و نجحت في تمرير الخسارة نفسها باعتبارها فوزا أبديا في حياة أخرى . لكن مشكلة هذا النجاح المستمر أنه نجاح في زيادة الخسائر و أن خمس قواعد فقط لا تستطيع أن تغطي حاجة الناس إلى بقية القواعد .
فالأمر بالمعروف قاعدة و هي قاعدة واجبة الأداء على كل مسلم و مسلمة و ليس ثمة ما يبرر استبعادها من بين القواعد الخمس سوى أنها قاعدة جماعية موجهة ضد حكم الفرد بالذات فالمسلم لا يستطيع أن يأمر بالمعروف إلا إذا كان صاحب سلطة فعلية و السلطة الفعلية لا يملكها المسلم من دون أن يخسرها بنو أميّة .
و النهي عن المنكر قاعدة لكنها بدورها قاعدة جماعية يتطلب أداؤها أن تكون الجماعة قادرة قانونيا على عقاب أهل المنكر وهي فكرة من شأنها أن تجرد بني أميّة من قصورهم
و حراسهم و تجرهم إلى الجلد العلني في الساحات العامة .
و تحريم الربا قاعدة لكنها بدورها قاعدة مستحيلة التطبيق في مجتمع أقطاعي . فالمسلم لا يستطيع أن يقيد رأس المال ألاّ إذا كان شريكا في رأس المال نفسه مما يتطلب أولا إلغاء فكرة الإقطاع من أساسها و يتطلب ثانيا أن يصبح المواطن شريكا شرعيا في أداة الحكم .
و مسؤولية المسلم عما كسبت يداه قاعدة لكنها قاعدة لا تنطبق جدا على مسلم مكتوف اليدين و لا يعني إدراجها ضمن القواعد الخمس سوى تذكير هذا المواطن الأسير بأنه يدفع ظلما ثمن ما كسبته أيدي بني أميّة .
و حفظ حقوق المرأة قاعدة لكنها قاعدة تتطلب أولا أن يكون للمرأة حقوق و هي مشكلة يصعب حسمها في مجتمع يحكمه إقطاعي مسلم لا يعترف بحق رجل أو امرأة .
و الدفاع عن المستضعفين قاعدة لكنها قاعدة تحتم القتال ضد الذين استضعفوهم مما يضع رقاب بني أمية حيث تلتقي جميع السيوف .
و المجادلة بالحسنى قاعدة لكنها قاعدة يصعب على الأمويين قبولها لأنهم لا يستطيعون أن يجادلوا بالحسنى دون أن يخسروا نتيجة الجدال .
و حفظ حق الطفل قاعدة لكنها قاعدة تحتاج إلى رصد نفقات التعليم المجاني ضمن بنود الميزانية العامة و هي مشكلة صعبة أخرى يستحيل حسمها في مجتمع لا يملك ميزانية عامة.
و العمل بكتاب الله قاعدة لكنها قاعدة تعني أن تذهب بقية الكتب الأخرى و يخسر الفقهاء أحاديث أبي هريرة و يخسرون معها ( السند العلمي ) لنظرية القواعد الخمس و يجد الخليفة الأموي نفسه وجها لوجه أمام كتاب عالي الصوت يدعوه علنا باسم : فرعون .
جميع هذه القواعد سقطت عمدا من قائمة قواعد الإسلام و لم يكن سقوطها مجرد تحريف نظري للدين بل كان سقوطا حقيقيا للمواطن المسلم نفسه الذي اضطر إلى العيش في وطن لا يعترف له بحق المواطنة و لا يستطيع أن يضمن له رزق عياله و لا يكفل له حق المعارضة و لا يريده أن يعارض أصلا مهما لذعته النار و ارتفعت من حوله صرخات الألم . و إذا لم يكن هذا الوطن القاسي هو الجنة التي وعد بها الله عباده المتقين فلا بد أن الوقت قد حان لكي يراجع المتقون ما قاله الله عن جهنم .
أن الإسلام لا يقوم على خمس قواعد بل يقوم على مسؤولية الناس تجاه أنفسهم و مهما تكلم الفقهاء أو سكتوا فأنهم لا يستطيعون أن يعفوا الناس من هذه المسؤولية لأن الناس هم الذين سيدفعون قائمة الحساب نقدا في نهاية المطاف و هم الذين سيخسرون جنّة الحياة الدنيا حتى يضيع حقهم في الثوب و الحذاء و يضطرون إلى الركض تحت أشعة الشمس حفاة عراة شاخصة أبصارهم وراء لقمة العيش في دولة لا تلتزم تجاههم بشيء سوى حبسهم و جلدهم من باب حرص الدولة على أقامة حدود الله و في ظروف صعبة من هذا النوع لا يصبح أداء الشعائر الإسلامية شكرا لله على نعمة الإسلام بل يصبح التزاما بإظهار الشكر حتى من دون نعمة و هي فكرة لا يتولاها الله بل يتولاّها رجل أقطاعي أن مواطننا يجب أن يعرف أن قواعد الإسلام الخمس فكرة جاءت لحرمانه شخصيا من بقية الإسلام .
يعرف أن أداء الشعائر هو فقط نصف القاعدة و أن النصف الباقي , أن يكون أداء الشعائر شكرا لله على نعمة الحياة هنا , فوق الأرض و ليس طقوسا للبحث عن النعمة في أرض الله الأخرى .
يعرف أن كلمة ( مسلم ) ليست لقبا بل حرفة و أن المواطن المسلم حرفته راع مسؤول عن رعيته وليس بوسعه أن يتخلى عن هذه المسؤولية دون أن يصبح مسلما عاطلا عن العمل
يعرف أن الإسلام عقيدة على حرية العقيدة لا تنكر حق أحد في الجنة بعد الموت بل تثبت حق جميع الناس في جنة إضافية على الأرض.
يعرف أن الفقه الإسلامي قد أعفاه من مسؤوليته عن شؤون الحكم طوال أربعة عشر قرنا حتى الآن و أن هذا الصك الموقع على بياض لا يعتمده في الواقع سوى أبي هريرة .
يعرف أن قواعد الإسلام ليست خمسا بل أكثر من ذلك بكثير و أن الأمر بالمعروف قاعدة
و النهي عن المنكر قاعدة و الدفاع عن المستضعفين قاعدة و أن جميع هذه القواعد لا يستطيع المسلم أن يحافظ عليها إلا إذا كان شريكا شرعيا في أداة الحكم .
يعرف أن نصف الطريق إلى الله لا يغني عن الطريق كله .
يعرف أن عمامة الفقيه مجرد نوع من الإعلان و أن المسلم لا يملك قبعة بل يملك حقوقا في نصوص الدستور فإذا ضاعت هذه الحقوق فلا شيء يفرق بين رأس و رأس .
يعرف أن المرأة المحجبة ليست هي المرأة المسلمة بل هي المرأة التي فقدت جميع حقوقها بما في ذلك حقها في الرياضة و الهواء الطلق .
يعرف أن رجل الدين ليس مثل رجل النحو لأنه لا يصحح كلام الناس بل يلغي حقهم في الكلام .
يعرف أن أتباع سنة الرسول محمد يتطلب أولا أن يعيش المسلم في مجتمع محرر من الإقطاع مثل مجتمع الرسول محمد .
إن مواطننا لا بد أن يعرف .
و إذا شاءت الظروف أن يهمل المواطن واجب المعرفة و تنجح ثقافتنا الإسلامية في تجهيله بالإسلام إلى الأبد فأن ذلك سيكون عملا سياسيا ناجحا من شأنه أن يجند ملايين المسلمين للموت دفاعا عن أي أحد و أي شيء ما عدا حق المسلمين في الحياة وهي فكرة مفيدة قد ينجم عنها قيام دولة مزدهرة و أحيانا إمبراطورية لكنها ستكون دائما تعويضا خاسرا جدا عن حقوق الناس في الجنة .


انتهى المنشور الثاني
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 16, 2009 5:24 am

المنشور الثالث


مشكلة ( الجهل ) أنه في الواقع نوع من ( العلم ) , يستند دائما إلى نوع من ( العقل ) و يقوم أيضا على نوع من ( المنطق) . أنه ليس ظاهرة بريئة , تنجم عن نقص في حجم المعلومات بل ظاهرة مسؤولة تنطلق من معرفة يقينية و تتميز بالقدرة على تسخير جميع أنواع الأسلحة لفرض حلولها بنجاح في معركة لها هدف صاعق واحد هو أن ينتصر الباطل على الحق بأي وسيلة و بأي ثمن لهذا السبب يلزم التمييز الواضح بين معنى الجهل و معنى الأميّة .
فالرجل الجاهل ليس رجلا محايدا تنقصه المعلومات المطلوبة بسبب عجزه عن القراءة . بل هو في الأساس ( رجل متعلم ) واسع الاطلاع منحاز إلى ( الحق ) و واثق من أقواله صفته الظاهرة أنه يملك إجابة نهائية عن كل سؤال لأن معلوماته مستمدة في رأيه من مصدر علوي غير قابل للخطأ
العلامة الأولى في منهج هذا الرجل أنه بشر له لسان أله فهو لا يقول شيئا من عنده و لا يتكلم بلغة الناس بل يردد فقط ما سمعه من الرب ( العليم ) شخصيا و في العادة يكون الرب مجرد بوق أجوف لصوت الرجل الجاهل نفسه لكنه أحيانا يكون معلما ذائع الصيت له لقب يبعث على الرهبة مثل الأستاذ الدكتور أو حضرة الأمام أو آية الله بشحمها و لحمها .
في مواجهة رجل رباني من هذا النوع يفقد المنطق هدفه و معناه و يدخل الحوار في باب الجريمة و تمتلك الأفكار سلطة بوليسية حتى تصبح كل فكرة على حدة مجرّد شرطي في بذة الشغل يجوب الشوارع حاملا عصاه لحفظ الأمن و العلم معا .
أن ثقافتنا العربية تعايش هذه الظاهرة الصعبة من دون أمل في رحمة الله .
سبب المحنة و محتواها أن كلمة ( العلم ) في قاموس العرب لا تؤدي معناها المألوف في بقية القواميس بل تشمل أيضا ( علم التفسير ) الذي تكفَل بشرح نصوص القرآن منذ زمن مبكر
و منح نفسه حق احتكار الكلمة الأولى و الأخيرة في موضوعات معقّدة لا تتجاوز معلومات الفقهاء فحسب بل تتجاوز وسائل البحث المتاحة لمناهج الفقه بأسره . و خلال قرون طويلة من ممارسة هذا ( العلم ) المفتقر إلى منهجية العلم كان على الثقافة العربية أن تعايش تجربة الجذب المستمر بين مصدرين متناقضين للمعلومات المتناقضة :
الأول : مصدر العلم التجريبي الذي بدأ مسيرته في بلدان غرب أوربا منذ عصر داروين على الأقل و نجح في استبدال منهج الكنيسة القائم على تفسير الكتاب المقدس بمنهج تجريبي جديد لا يعتبر التفسير علما و لا يقبل نتائج البحث إلا إذا ثبتت في ضوء التجربة .
الثاني : مصدر التفسير الحرفي لنصوص القرآن الذي أنتحل لنفسه صفة العلم الإلهي في ثقافة العرب و بقي بمعزل عن النقد بفضل قدرته المتزايدة على تسخير سلطة الدولة لقمع النقاد بالقتل والتشريد منذ عصر الحلاج حتى الآن .
بين هذين المصدرين المتناقضين لحقائق العلم الأساسية يواجه العقل العربي المعاصر محنة الحياة بوجهين في رأس مدهوش واحد و هي محنة تتجلى علنا في مدارس العرب بالذات التي تحولت إلى ساحات مفتوحة لشد الحبل بين ثقافتين رسميتين كلتاهما تعيش على حساب الأخرى , أن المبارزة تجري يوميا في كل كتاب مدرسي على حدة .
فمثلا : في درس التفسير يتعلم الطالب العربي أن الله قد خلق السموات و الأرض في ستة أيام و أن هذه الصياغة القرآنية نظرية علمية تعني ما تقوله حرفيا . و هو تفسير يفترض مخطئا, أن القرآن كتاب في علم الفلك مهمته أن يكشف للتلاميذ أسرار الكون لكن الشيخ المفسر لا يلاحظ هذا التكلف الظاهر في فهمه للقرآن .
في درس الفلك يكتشف الطالب فجأة أن الله لم يخلق أرضا ولا سماء بل فضاء تسبح فيه الكواكب و النجوم و أن ما يدعى باسم الأرض كوكب يبدو معلقا في السماء من أي نقطة خارج الأرض . و هي صورة لا تخرج عن أطار علم التفسير فحسب بل تخلع عنه عمامة العلم و جبته معا .
و مثلا : في درس التفسير يقال للطالب العربي أن مبدأ النشوء و الارتقاء ليس حقيقة علمية و أن الله قد صنع آدم و حواء مثل تمثالين من الطين و نفخ فيهما الروح ثم وضعهما في الجنة لكي ينعما بالحياة الخالدة إلى الأبد . و هي قصة يرويها القرآن من باب الوعظ لكن الشيخ المفسر يرويها من باب المعرفة بتفاصيل التاريخ آملا أن يقوده منهج التفسير الحرفي إلى كنز العلم الإلهي .
في درس الأحياء يكتشف الطالب مدهوشا مدى جهل المفسرين بمبدأ النشوء و الارتقاء و يعرف من الحفريات أن الله لا يصنع التماثيل و أن الإنسان ليس مخلوقا منفصلا عن بقية الحيوانات و لا ينتمي إلى أب واحد أو أم واحدة بل ينتمي إلى فصائل متنوعة من القرود التي هجرت موطنها الأصلي في الغابة و احترفت الصيد في مناطق السافانا منذ مئة مليون سنة على الأقل . و هي حقائق لا تشكك في قدرة الله بل تشكك في قدرة الفقه على تفسير كتاب الله و مثلا : في درس التفسير يقرأ الطالب قصة الطوفان و يعرف من ( علماء ) الدين أن النبي نوحا قد صنع مركبا جمع فيه زوجين من كل المخلوقات لكي ينقذ الحياة من الفناء .
و في درس العلوم يعرف الطالب أن أجناس المخلوقات تزيد في الواقع على خمسين مليون جنس و أن الأرض لم تغرق في أي طوفان خلال الألف مليون سنة الأخيرة على الأقل و أن الإنسان لم يتعلم صناعة المراكب إلا في عصر سومر منذ سبعة آلاف سنة قصيرة .
و مثلا : في درس التفسير يقال للطالب أن النبي موسى أحال عصاه إلى ثعبان في حضرة فرعون و أنه أرسل على مصر وباء البعوض و القمل و الضفادع و فلق البحر الأحمر بضربة من عصاه .
و في أوراق البردي يقرأ الطالب أن فرعون شخصيا لم يقابل رجلا أسمه موسى و لم ير عصاه تنقلب ثعبانا و لم يسجل قصة فلق البحر الأحمر رغم ولعه بتسجيل القصص .
و مثلا : في درس التفسير يعرف الطالب أن الملك سليمان كان يكلم النمل و الطيور و يسخر ملوك الجن في بناء الهيكل .
و في درس التاريخ يتعلم الطالب أن الهيكل اليهودي لم يشيده ملوك الجن بل بناه العمال اللبنانيون الذين استقدمهم سليمان من مدينة جبيل .
في زحام هذه المعلومات المتناقضة يعايش الطالب العربي في كل مدرسة عربية على حدة تجربة مستحيلة للتوفيق بين منهجين للمعرفة كلاهما يدعوه إلى الشكِ في أقوال الآخر.
الأول منهج أنساني يلتزم بوسائل العقل و يستند إلى قوانين صارمة لا تنكر مبدأ المعجزة فحسب بل تطرحه خارج أطار العلم من أساسه .
الثاني منهج سحري ينكر حاجة العلم إلى العقل و يقيم نتائجه على قاعدة مؤدّاها أن الرب الخارق لا بد من أن يخرق كل القوانين و أن وقوع المعجزة هو ( الدليل العلمي ) على صدق علم التفسير .
بين هذين المنهجين المتناقضين لا يملك الطالب العربي خيارا آخر سوى أن يدخل طائعا في قلب الدّوامة و يجرب أن يعيش بشخصيتين في عقل مدهوش واحد . فهو من ناحية لا بد من أن يقبل معارف عصره مثل بقية الطلاب في بقية المدارس . لكنه من ناحية أخرى لا بد من أن يتلقى في درس التفسير و معلومات المفسرين العجيبة التي لا يتلقاها الطلاب و لا تعترف بها المدارس و لا تقرها مناهج التعليم في أي مكان من العالم سوى الوطن العربي و حده فقط لا غير .
فالمدرسة الحديثة في الشرق و الغرب لا تعتبر تفسير الكتب المقدسة مادة علمية و لا تضم دروسا للتفسير أصلا و لا تسمح بتقديم مادة الدين في المدارس العامة تحت أسم ( العلم ) بل أن دولة مثل الولايات المتحدة لا تجيز قراءة الإنجيل في مدارس الحكومة حتى بعد انتهاء اليوم المدرسي و هو موقف لا تتخذه شعوب العالم لأنها ملحدة أو أقل أيمانا من العرب بل لأن كلمة ( العلم ) تعني في لغاتها غير ما تعنيه في لغتنا العربية .
فمنذ عصر الثورة البروتستانتية في القرن السادس عشر كان الأوربيون قد اكتشفوا أن العلم لا يستطيع أن يكون مقدسا من دون أن يخسر صفة العلم . و كانوا قد نجحوا في فصل المدارس العامة عن الكنيسة و أعادوا صياغة المنهج التعليمي طبقا لمبدأ مؤداه أن معلومات الإنسان مثل الإنسان نفسه معلومات ناقصة و غير نهائية و غير منزهة عن النقد و المراجعة و
التصحيح . و هو مبدأ لا يقره ( علم التفسير ) في ثقافتنا العربية الذي يسمي نفسه علما ربانيا لا يتعالى على النقد فحسب بل يعتبره طعنا شيطانيا في علم الله . بسبب هذا التحريف الرسمي لمعنى كلمة ( علم (ينفرد العرب من بين جميع أمم الأرض بثقافة معصومة عن الخطأ تسمي رجل الدين ( عالما ) و تعتبر الرأي الفقهي نظرية علمية و تورط نفسها في منهج جدلي مستحيل صفته المستحيلة أنه قائم على تحريم الجدل بالذات . و عندما يبدأ درس التفسير في أي مدرسة عربية و يجلس الطلبة واجمين في حضرة الشيخ المفسر تخرج قاعة الفصل بأسرها من هذه الكرة الأرضية و تغيب في عالم غائب لا يحكمه منطق أو قانون و لا يعترف بعقل أو دليل و لا يكشف أسراره لأحد سوى الشيخ السري شخصيا . أن عالم الله المنطقي يفقد فجأة كل حاجة إلى صوت المنطق .
فعلم التفسير لا يصدق أن القرآن ( بيان للناس ) بل يعتقد أنه كتاب بالشيفرة يضم جميع أسرار العلم في التاريخ و الفلك و الجغرافيا و الأحياء و أن كل ما يحتاجه الشيخ المفسر لكي يفتح هذا الكنز المجاني من المعلومات هو أن يجلس في بيته الدافئ و يفسر نصوص القرآن و هي فكرة لا تستند إلى القرآن نفسه و لم يقل بها الله و لا تعكس منهج العلم القائم على البحث و التجربة بل تعكس منهج رجل كسول يريد أن يحصل على أسرار الغيب بالمصادفة السعيدة وحدها التي جعلت لغته العربية هي بالذات لغة العلم الرباني في القرآن . و في عقل شعوبي من هذا الطراز تختلط نتائج الحسابات و يغيب صوت المنطق وراء صخب الخرافة و يتحول الحوار من وسيلة لنقاش الأفكار إلى وسيلة لتمريرها من دون نقاش .
إن الإنسان المقلوب على رأسه يخسر رأسه و رجليه معا .
فالقران ليس كتابا لمحو الأمية و ليست مهمته أن يكشف أسرار العلم للمفسرين. إنه لا يروي قصص التوراة و الإنجيل لأنه يعتبرها (حقائق علمية ) بل لأنه يريد أن يحتويها في صيغة منقحة قادرة على تحقيق التآخي بينها في مجتمع إنساني موحد . و هي مهمة أوّلها القرآن على خير وجه و قدم لأجيال البشرية منذ القرن السابع أول كتاب مقدس يحتضن جميع الكتب المقدسة و يتعايش مع جميع الشرائع و الأجناس في أول مجتمع ديمقراطي قائم على مبدأ الاقتراع الحر و حق الأغلبية في اتخاذ القرار . و مادامت القبلية العربية قد نجحت في تقويض هذا المجتمع و إنهاء شريعته الجماعية منذ عصر الأمويين فان علم التفسير لا يستطيع أن يخدم غرضا آخر سوى أن يكون علما مسخرا لتزوير القرآن بالذات .
و الواقع أن فرض مادة التفسير على مناهج التعليم في المدارس العامة فكرة لا تثبت شيئا سوى أن غياب الشرع الجماعي قد سلب المواطنين العرب جميع حقوقهم الشرعية بما في ذلك حقهم في حماية أولادهم من عمليات غسيل المخ التي تجري في المدارس العامة باسم التعليم .
فالمدرسة التي تبنيها الحكومة بنقود دافعي الضرائب ليست مؤسسة حكومية و لا يجوز أن تتحول إلى أداة تسخرها الدولة لشراء مرضاة رجال الدين , بفرض تفسيراتهم على مناهج الدراسة تحت شعار العلم بالذات لأن هذه الحيلة السياسية السهلة لا تستطيع أن تخدم العلم أو الدين أو السياسة و ليس من شأنها أن تحقق غرضا عمليا آخر سوى أن تنقل خلافات المذاهب الطائفية إلى المدارس و تخرب الخلية الأولى لثقافة عربية موحدة و تنشر عدوى الجهل المتراكم في كتب التفسير مثل وباء وراثي من جيل إلى جيل . وهي كارثة قد لا يكتشف حكام الوطن العربي أبعادها حتى يأتيهم بها الله غاضبا إلى باب الدار .
إن اللعب بالنار لا يجعل النار لعبة .
و الخطأ الذي ارتكبته الحكومات العربية منذ عصر محمد علي باشا أنها تعمّدت أن تسخر القرآن لخدمة أغراضها الإعلامية في لعبة خطرة و شائنة ما لبثت أن أعطت المفسرين صوتا لا يملكونه , في شؤون الإدارة و الحكم و منحتهم حق التدخل في صياغة القوانين و مناهج التعليم معا و بسطت ظلهم على أجيال العرب في تيار أصولي عارمة تواجهه الحكومات العربية الحالية بندم الفأر الذي استأجر لنفسه مصيدة . فالباشا العربي لم يحقق مكسبا من وراء حلفه مع رجال الدين سوى أنه أصبح سيافا في خدمتهم يقطع لهم أيدي المواطنين و رقابهم
و ينهب لهم من بنود الميزانية العامة ما يكفي لتأمين رواتبهم في عشرات الوظائف المبتكرة من تلاوة القرآن في برامج الإذاعة و التلفزيون إلى إصدار الصحف و المجلات و تأسيس جمعيات الدعوة الإسلامية وهي نفقات لا يقرها دستور واحد في العالم سوى دستور الباشاوات الورعين في الوطن العربي .
إن القرآن ليس وسيلة لكسب العيش و لا يطوع نفسه لخدمة الإقطاع و لا يدّخر وسعا في تحذير المفسرين من تسخيره لهذا الغرض بالذات في آيات صريحة منها :
في سورة البقرة 174 ( و يشترون به ثمنا قليلا , أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار )
و في سور البقرة 79 ( ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا , فويل لهم مما كتبت أيديهم , و ويل لهم مما يكسبون ) .
و في سورة آل عمران 78 ( و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب , لتحسبوه من الكتاب , و ما هو من الكتاب . و يقولون هو من عند الله . و ما هو من عند الله . و يقولون على الله الكذب , و هم يعلمون ) .
و في سورة آل عمران 187 ( فنبذوه وراء ظهورهم , و اشتروا به ثمنا قليلا , فبئس ما يشترون ) .
هذه الآيات الصريحة يعتبرها علماء التفسير موجهة إلى كتبة التوراة و الإنجيل وحدهم مصرين على أنها لا تعنيهم من بعيد أو قريب . لكن هذا الحل التلفيقي اليائس لا يثبت شيئا سوى حاجة المفسرين إلى الحلول الملفقة .
إن حصيلة الجهل النهائية هي أن يصبح جهلا حاصلا من دون نهاية .
فالقرآن ليس كتابا بالشيفرة و لا يحتاج إلى علم يفسره . إنه دعوة إلى الشرع الجماعي مهمته أن يبيد نظم الإقطاع و يضع نهاية لسيطرة الخرافة على عقول العرب بالذات و ما دامت ثقافتنا العربية تتعمد أن تتجاهل هذه الحقيقة فلا مفر من أن تصاب بالعقم و تنقسم تلقائيا بين رجلين عقيمين كلاهما ( مثقف) من دون ثقافة و كلاهما أكذوبة من دون مستقبل .

إنتهى المنشور الثالث
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 23, 2009 3:25 am

المنشور الرابع


سنة 1661م قبل مرور ثلاثين سنة على وفاة الرسول كانت الدولة الإسلامية قد أصبحت مملكة عربية يديرها ملك جالس على عرش وراثي لا يختلف عن الملك جستونيانوس الحاكم في بيزنطة إلا في أن أسمه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان و فيما عدا الاسم وحده لم يكن ثمة فرق .
فقد أضطر الأمويون إلى نقل دولتهم حرفيا عن كتاب بيزنطة صفحة صفحة و دون تمييز لأن دولتهم نفسها لم تكن لها جذور إدارية في الإسلام و لم يكن بوسعهم أن يتبنوا نظامه الجماعي , الذي قاتلوا لإلغائه بقوة السلاح .
لقد كان الخيار الوحيد المتاح أمام الأمويين هو أن ينقلوا نظم الإدارة في بيزنطة بقدر ما في حوزتهم من الدقة في النقل و هي مهمة أدّاها الأمويون بسذاجة أعرابي جاء متأخرا عن درس التاريخ بحوالي سبعة آلاف سنة .لقد خسروا ضوء الشرع الجماعي و بات عليهم أن يتلمسوا طريقهم في الظلمة بين أطلال حضارات قديمة حافلة بالفخاخ .
نقلوا نظام الحرس الملكي وهو نظام لم تكن بيزنطة تتبناه طائعة بل كانت متورطة فيه
و كانت فرق الحرس الملكي قد أثبتت منذ عصر القيصر أغسطس أنها مصدر الخطر الحقيقي داخل حجرات البيت المالك نفسه .
نقلوا نظام الديوان . وهو جهاز إداري مهمته على الورق أن يضمن تركيز السلطات في يد الخليفة لكن مهمته التي عمل من أجلها طوال التاريخ هي أن يوزع السلطات بين الوزير
و قائد الحرس و امرأة الخليفة و خادمه المفضل و قاضي القضاة .
نقلوا نظام الخدم وهو جهاز إداري آخر له سلطة مستمدة من موقعه تحت سقف البيت المالك مثل سلطة حامل الختم و أمين السر و سياف الخليفة و قد عاش في بيت الأمير العباسي المقتدر مثلا أحد عشر ألف خادم قبل أن تؤول إليه الخلافة أحدهم المدعو ( يونس الخادم ) الذي قال عنه المسعودي (. ثم كانت بينه وبين المقتدر وحشة , أدّت إلى حروب انتهت بقتل المقتدر . فحملوا رأسه إلى يونس فلما رأى رأس مولاه بكى و لطم وجهه( ..
كل فكرة نقلها الأمويون عن بيزنطة كانت فكرة مميتة أثبت التاريخ خطرها بشهادة من بيزنطة نفسها لكن الأمويين لا يحسنون قراءة التاريخ و كان عليهم أن يتعلموا الدرس بأنفسهم و يعيدوا المسيرة من أوّلها خطوة خطوة في طريق لا يختلف عن طريق بيزنطة إلا في نقطة هائلة واحدة و هي حاجة الأمويين إلى التعايش مع نص القرآن .
فهذه مشكلة لم تواجه ملك بيزنطة و لم تواجه ملكا غيره طوال التاريخ لأنها مشكلة طارئة على تاريخ الكتب المقدسة مثل نص القرآن نفسه .
فالأمر بالحفاظ على النص الشرعي دون ترجمة أو تغيير أمر انفرد به القرآن وحده من دون بقية الكتب المقدسة و أثبت في وقت لاحق أنه الضمان الوحيد الصحيح للحفاظ على مصدر الشرع الجماعي لأن كل تشكيك في أصالة هذا النص كان من شأنه أن يفتح بابا فقهيا لتفسير مشكوك فيه و قد تعمّد الرسول محمد أن يشرف بنفسه على جمع القرآن و ترتيب آياته
و تدوينه بعد مراجعته كلمة بكلمة و حرفا بحرف و بذلك بلّغ الرسول رسالته بأمانة و جمع دستور الشرع الجماعي في ( كتاب محفوظ ) لا تخرج منه كلمة و لا تضاف إليه كلمة و لا يشكك أحد في مصدره لأنه كتاب الله و لا يشك أحد في نصه لأنه منقول عن الرسول شخصيا وراء هذا الحصن الذي لا يمكن اختراقه كان النص القرآني في دولة الأمويين صوتا عاليا و خطيرا جدّا لا يخاطب الدولة المسؤولة بل يخاطب الناس و يحملهم المسؤولية و يجمعهم تحت اسم واحد و يحرضهم علنا ضدّ سلطة فرعون و في دولة يحكمها فرعون شخصيا كان هذا الصوت دعوة علنية إلى الثورة المسلحة .
إن الدولة الأموية تواجه مشكلة لا تعرف لها حلاًّ و لم تواجهها دولة أقطاعية من قبل و هي حاجتها إلى التعايش مع دستور شرعي لا يعترف بشرعية الدولة الأموية :
فالخليفة يحكم بموجب حقه في وراثة العرش و القرآن يقول إن الشورى هي دستور الحكم الوحيد في الإسلام .
و الخليفة رجل هائل الثراء يمثل طبقة الأغنياء و تجار القوافل و كبار الملاك و القرآن يتوعد الذين يكنزون الذهب و الفضة .
و الخليفة يستند إلى فتاوي رجال الدين و القرآن لا يعترف برجال الدين و لا يخولهم حق الفتوى نيابة عن الناس و لا يميزهم بلباس مميز كما فعل كتاب العهد القديم ( 1 )
و الخليفة متحصن وراء جيش مأجور معد للقتال في سبيل الخليفة و القرآن يستنكر وجود هذا الجيش و يدعو لتدميره تحت راية الجهاد في سبيل الله .
و الخليفة يضع يده على ميزانية الدولة و القرآن يسمي هذه الميزانية مال الله .
و الخليفة ينوي أن يصفي خصومه السياسيين و القرآن يقول( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ) .
و الخليفة يخطط لإنشاء دولة إسلامية على غرار بيزنطة و القرآن يقول إن إسقاط بيزنطة فريضة واجبة على المسلمين .
في ظروف هذا التناقض الشامل لم يكن أمام الخليفة الأموي سوى أن يصادر القرآن أو يكتشف لنفسه قرآنا آخر لا يناصبه العداء و لأن الخليفة كان رجلا سياسيا و ليس أحمق مغامرا فقد ترك القرآن وشأنه و عمل على إيجاد نص شرعي جديد اسمه ( الحديث) .

لم يكن الرسول نفسه قد اعتمد الحديث مصدرا للتشريع و لم يجمعه و لم يوص بحفظه و بالتالي لم يكن الحديث كتابا محفوظا في صيغة محددة يصعب تحريفها أو الإضافة إليها و من هذه الثغرة الطارئة تسلل إلى الإسلام نص شرعي جديد منقول أيضا عن الرسول لكنه ليس هو القرآن .
علم الحديث أضاف إلى الإسلام مصدرا جديدا للتشريع على أساس السنة و هي فكرة ضمنت للخليفة الأموي منفذا فقهيا طارئا كان الخليفة الأموي في أمس الحاجة إليه .
فالسنة لها ثلاث درجات :
الأولى : ما صدر عن النبي باعتباره صاحب الرسالة مثل تبيين الشعائر و شرح مجمل القرآن و هي درجة واجبة على جميع المسلمين .
الثانية : ما صدر عن النبي باعتباره صاحب السلطة الإدارية مثل تجهيز الجيوش و جباية الزكاة و الأشراف على الدواوين و هذه درجة لا تلزم جميع المسلمين بل تلزم رئيس دولتهم وحده, باعتباره خليفة الرسول .
الثالثة : ما صدر عن النبي بحكم موقعه على رأس السلطة التشريعية مثل تعيين القضاة و
الفصل في الدعاوى و الأشراف على تطبيق القوانين و هي درجة أخرى لا تلزم جميع المسلمين بل تلزم رئيس دولتهم وحده .
فإذا كان رئيس الدولة هو خليفة الرسول حقا و حاكما شرعيا انتخبه المسلمون بأغلبية الأصوات يصبح تقسيم درجات السنة تحديدا مفيدا لمسؤوليات الفرد و الدولة معا أما إذا كان الخليفة رجلا أمويا اغتصب السلطة بقوة السلاح فإن هذا التقسيم يجعله خليفة الرسول في شؤون الإدارة و القضاء دون أن تنتخبه الأغلبية و يمنحه بذلك حقا شرعيا مستمدا من علم الحديث و ليس من إجماع الناس . لقد فتح الخليفة الأموي لنفسه في جدار الإسلام ثغرة على مقاسه بمعاول الفقهاء .
و خلال وقت قصير كان الحديث قد أصبح علما جديدا هدفه المعلن أن يحفظ سنة الرسول و هدفه غير المعلن أن يخول الفقهاء سلطة التشريع نيابة عن الأغلبية و قد عمد الأمام الشافعي إلى تحديد مصادر الشرع في أربعة مصادر و هي القرآن و السنة و الإجماع و القياس و فسر الإجماع على أنه إجماع الصحابة و ليس إجماع الناس أنفسهم مما ترتب عليه تلقائيا أن انقسمت السنة بدورها بين مذاهب الفقه فأصبح للشيعة أحاديث و للخوارج أحاديث و للمرجئة أحاديث و انفتح الباب المسحور الذي سيحاول الفقهاء إغلاقه عبثا منذ ذلك الوقت حتى الآن بكتب تصحيح الأحاديث و كتب تصحيح التصحيح .
إن الأمام الشافعي يتقدم بمصادر جديدة للتشريع ليس بينها سلطة الناس أنفسهم و هو خطأ لم يكتشفه المسلمون إلا بعد ظهور الديمقراطيات الحديثة في الغرب مما ترتب عليه أن أدار الفقه الإسلامي ظهره للسلطة الشرعية الوحيدة و ترك الناس الأحياء في أرض الواقع و ذهب يبحث عن حلوله في أقوال الصحابة طبقا لمنهجين :
احدهما يسمي نفسه مذهب العقل لكنه لا يؤمن بعقول الناس بل بعقول الفقهاء المتخصصين بعلوم الفقه . إنه لا يحيل قضايا الجماعة إلى الجماعة بل يعالجها في كتب الفقهاء العارفين بالقرآن و السنة لكي يصدر بشأنها فتوى فقهية قائمة على النظر و العقل و هو موقف يشبه أن يتكلم علماء النحو نيابة عن الناس .
والثاني يسمي نفسه مذهب النص لكنه لا يعني نص القرآن و هو مذهب الشيعة الذين يقولون بوجوب الخلافة في بيت علي بن أبي طالب بناء على وصية من الرسول رغم أن الوصية نفسها ليست واردة في أي نص .
على يد هذين المذهبين تفرق الفقه الإسلامي بين المذاهب إلى ما لا نهاية و ظهرت في الإسلام من الفرق الدينية أكثر مما ظهر في جميع الأديان مجتمعة في جميع العصور(2) و غاب صوت الأغلبية وراء صوت الفقهاء و أكثر من كل شيء آخر غاب التفسير الجماعي الحي للقرآن( 3 ) .
فلم يعد فرعون هو الحاكم المتسلط الذي يعيش حيا بين الناس بل أصبح هو ملك مصر الذي تسلط على اليهود خلال الألف الثانية قبل الميلاد .
لم يعد الدين و هو الطريق إلى العدل في واقع الناس على الأرض بل أصبح هو الطريق لتعويضهم في حياة غائبة أخرى .
لم يعد الصابرون هم الناس الذين يصبرون على الشدائد في سبيل تغيير واقعهم . بل أصبحوا هم الناس الساكتين الذين ينتظرون أن يتغير واقعهم بطول السكوت (4) .
لم يعد جنود هامان هم الحرس الملكي الذي يسد الطريق إلى قصر الخليفة بل أصبحوا قصة تاريخية يرويها القرآن لغرض التاريخ عن حرس ميتين كانوا في حراسة طاغية ميت .
لم يعد الرسول هو صاحب الشرع الجماعي الذي احتوى جميع الأديان بل صار الإسلام دينا إضافيا آخر و غاب شخص الرسول نفسه وراء أساطير إسرائيلية من عالم السحرة الإسرائيليين .
إن اعتماد السنة مصدرا للتشريع فكرة غير شرعية أصلا إلا إذا كانت الإدارة في يد الجماعة بموجب نظام قائم على صوت الأغلبية أما دون هذا الشرط فإن أحكام السنة لا تفعل شيئا آخر سوى أن تضع السلطتين الإدارية و التشريعية باسم الشرع في يدي حاكم غير شرعي
و تحتوي مصادر الثورة بين الناس و تبرر لهم غياب العدل باعتباره قضاء من الله نفسه
و تشل قدرتهم على فهم القرآن و تسد أمامهم كل طريق ممكن إلى اكتشاف شرعه الجماعي العادل و هي مهمة حققها فقهاء السنة و الشيعة بنجاح كبير , و كسوا بها الإدارة السياسية ثوب الشرع و قدموها للناس بمثابة إدارة شرعية مستوفية لجميع الشروط . لكن ذلك بالطبع كان مجرد كلام جميل من فقهاء يحسنون الكلام . أما في أرض الواقع , فقد كانت الإدارة الإسلامية تواجه كارثة محققة على عتبة الباب و كان هولاكو يدق أسوار بغداد معلنا عزمه على دكها إلى الأرض السابعة و الخليفة العباسي يحذره من غدر الزمان في رسالة ختمها بقوله : ( .... أن كل من قصد أسرة بني العباس , كانت عاقبته وخيمة . فاحذر عين السوء من الزمان الغادر.(

الهوامش :
( 1 ) بشأن الزي الرسمي الذي يميز رجال الدين جاء في كتاب العهد القديم ) و اصنع ثيابا مقدسة لهارون أخيك للمجد و البهاء و تكلم جميع حكماء القلب ( يعني الصناع المهرة ) .. أن يصنعوا ثياب هارون لتقديسه ليكهن لي و هذه هي الثياب التي يصنعونها : صدرة و رداء و جبة و قميص مخرم و منطقة و عمامة ) ( سفر الخروج 28) . و هو الزي الذي يرتديه فقهاء المسلمين الآن .

(2 ) من الأحاديث التي شاعت بين رؤساء الفرق الدينية حديث مؤداه أن الرسول تنبأ بأن
( تتفرق أمة المسلمين إلى ثلاث و سبعين فرقة كلها على ضلال إلا فرقة واحدة فقط . ) و بموجب هذا اللغز بدأ البحث عن الفرقة الناجية و أجهد كل عالم نفسه في تقسيم المسلمين إلى ثلاث و سبعين فرقة بالضبط لكي يضع فرقته في المكان الشاغر كما فعل عبد القادر البغدادي و هو فقيه سني يقول عن السنة , في كتاب دعاه (( الفرق بين الفرق )) : ( .. هم الفرقة الناجية .. يجمعها الإقرار بتوحيد الصانع و قدمه و قدم صفاته الأزلية و إجازة رؤيته من غير تشبيه و إباحة ما أباحه القرآن و تحريم ما حرمه القرآن و اعتقاد الحشر و النشر . و سؤال الملكين في القبر ) ..

( 3 ) التفسير الجماعي للقرآن ليس هو التفسير ( الحرفي أو الباطني أو التاريخي أو العلمي ) بل هو النظر إلى كتاب الله من زاوية الناس الأحياء الذين يخاطبهم هذا الكتاب في أرض الواقع .
فقصة فرعون ليست حكاية تخص المصريين القدماء بل نموذج يلزم محوه من حياة المصريين إلى الأبد إن القرآن في منهج الجماعة لا يلعن فرعون الميت منذ ثلاثة آلاف سنة بل يلعن فرعون الحي الذي يتناول إفطاره هذا الصباح في قلعة عسكرية سرق نفقاتها من مال الناس العام وسط حراسة مشددة من سيافين محترفين يدفع رواتبهم من مال الناس نفسه فالمشكلة لا تكمن في اسم فرعون شخصيا بل في علامات عصره الإقطاعي و هي علامات مميتة في كل عصر لأنها تعني غياب الناس عن الإدارة و وقوع جهاز الدولة في يد رجل يحرسه جيش محترف و يخدمه كهنة محترفون لا يعرف ما يفعله في وحدته الهائلة سوى أن يتسلى ببناء الأهرامات و يسخر جهد الإنسان الحي في رفع حجر كبير ميت .
إن التفسير الجماعي للقرآن ليس فقها بل منهجا لربط لغة الفقه بلغة الواقع و إصلاح الخطأ القديم الذي تورطت فيه علوم التفسير تحت وطأة الرقابة الإقطاعية .
في منهج التفسير الجماعي للقرآن تنتقل زاوية النظر من مقعد الفقيه إلى واقع الناس و يتضح السبب الذي دعا القرآن إلى اختيار بعض الأحداث التاريخية من دون سواها . فالقرآن دستور للإدارة الجماعية لا يهمه التاريخ إلا بمثابة نموذج عن واقع الجماعة عندما تجنمع في غياب هذا الدستور .
إنه لا يروي قصة خروج اليهود من مصر لأنهم شعب الله المختار بل لأنهم لاذوا بالله من فرعون و اجتمعوا معا تحت مظلة واحدة و خططوا و نفذوا و عبروا البحر و الصحراء إيمانا منهم بأن الله مع الجماعة ضد فرعون .
و عندما نسي اليهود شرع الجماعة و تورطوا بدورهم في مجتمع إقطاعي آخرأزاحهم القرآن جانبا من مسرح التاريخ و لم يذكرهم بعد ذلك إلا بمثابة مزورين لكتاب الله .
و قصة السيد المسيح لا يضيف إليها القرآن شيئا جديدا على ما جاء في الأناجيل لكنه يحذف منها مبدأ إبعاد السيد المسيح عن بقية الجماعة الإنسانية بحجة أنه ليس من طبيعة البشر فهذا مبدأ جدلي لا يخدم واقع الناس بل يخدم مؤسسة أكاديمية تسخر الكلام لكي تعيش عاطلة على حساب الناس .

( 4 ) الأصل في كلمة الصبر هي المقاومة فشرط (( الصابر)) أن يكون حيا و أن يعاني
و أن يعرف أنه يعاني و هي شروط تحتم نشؤ المقاومة و تحتم أن يتحرك الحي ذاته مرة لتغيير واقعه لأنه لا يستطيع أن يجلس صابرا إلى الأبد .
إن الصبر دون مقاومة كلمة لا علاقة لها بمعنى الصبر في الإسلام فالمسلم عليه أن يقاوم بيده و لسانه و قلبه . و دون عنصر المقاومة لا يسمي الإسلام الناس الساكتين , باسم الصابرين بل يسميهم الناس الذين شهدوا على أنفسهم بالباطل فالصبر على الظلم ليس فضيلة بل جريمة عقوبتها الحرق بالنار .


انتهى المنشور الرابع .
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 23, 2009 3:26 am

المنشور الخامس


أقصر طريق يسلكه الحزب السياسي لكسب المعركة على السلطة هي أن يلبس جبة الدين
و يطالب الدولة بتطبيق قوانين الشريعة لكن مشكلة هذا الطريق القصير أن قوانين الشريعة بالذات لا تطبقها الدولة بل يطبقها المواطن فإذا مرت المغالطة و نجحت الأحزاب الدينية في مسعاها و تم تطبيق قوانين الشريعة في دول الوطن العربي حتى صار لكل حكومة بوابة رسمية على الجنة فإن المواطن العربي شخصيا سوف لن يشارك في هذا العرس و لن يؤدي فيه دورا نافعا سوى أن يحمل الطبل . إنه لا يستطيع أن يطبق الشريعة حتى بمعونة فقهاء الحزب .
فالمشكلة من أساسها أن المجتمع العربي نفسه مجتمع غير شرعي خلقته مؤسسات إقطاعية معادية لمعظم مبادئ الإسلام من مبدأ المساواة و الشورى إلى مبدأ تحريم الحكم الفردي
و ضمان حرية الحوار و القضاء و قد تأسس على نظرية تحكيم القوة و التعصب الطائفي
و تقديس الخرافة و تحول منذ عصر الحجاج بن يوسف و زياد بن أبيه إلى مجتمع من الصيادين قائم برمته على شريعة ( اصطياد الفرص ) و إذا شاءت الأحزاب الدينية أن تطبق قوانين الشريعة في مثل هذا المجتمع المعقد فإن المواطن العربي نفسه سوف يكون آخر من يسمع .
فهذا المواطن لا يعيش في كتب الفقه بل يمارس تجربة الحياة في مجتمعه عمليا و يعرف أنه مجتمع تحكيم القوة و ليس تحكيم الله و أن ما يقوله رجال الدين بالذات مجرد كلام في غياب الكلام و هي رؤية يائسة و غير دينية لكنها أيضا رؤية مشروعة لأنها مستمدة من قراءة الواقع و قادرة على التعامل معه بنجاح إن النص الشرعي يستطيع أن يقول ما يشاء على الورق لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع إقطاعي يملك تحت تصرفه شريعة أخرى .
فالدين يحرم الرشوة لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع إقطاعي لا بد من أن يرشو كل موظف يقابله بكل عملة مقبولة في السوق لأن الخدمات العامة في مثل هذا المجتمع ليست حقا دستوريا للمواطن بل ( فرصة ) عليه أن يصطادها بصنارة فإذا كان الصيد حوتا كبيرا مثل استخراج رخصة للمقاولات الأهلية يكون الطعم نقودا و هدايا و خدمات خاصة أما إذا كان الصيد مجرد سمكة صغيرة مثل استخراج شهادة ميلاد فإن الوصفة الشعبية تحتم أن يرقص المواطن حاجبيه و يقول للموظف محييا : ( صباح الخير يا عسل( .
و الدين يحرم ارتزاق المرأة بجسدها لكن المرأة المحجبة التي تمنعها شريعة الإقطاع من فرصة التأهيل المهني لا تستطيع أن تكسب عيشها دائما بالحلال إنها تتزوج على سنة الله
و رسوله لكن شرعية هذا الزواج الناجم عن العجز و البطالة أمر يصعب إثباته شرعيا

و الدين يحرم السرقة لكن المواطن الذي يعيش تحت سلطة إقطاعية لا يستطيع ن يذهب وراء الدين إلى حتفه فالملكية تحت هذه السلطة ليست حقا شرعيا للمواطن بل غنيمة عليه أن يكسبها في غارة عسكرية و هو شرط لا يوفي به المواطن الأعزل إلا إذا تعلم فن القتال الليلي و أتقن التسلل من وراء ظهر القانون إنه لا يستطيع أن يملك شيئا بالحلال في مجتمع مسروق برمته . و الدين يحرم القتل و يتوعد القاتل بالخلود في النار لكن المواطن المجند لحراسة رجل إقطاعي لا يعرف كيف يطيع هذا الدين من دون أن يخالف دينا آخر إنه لا بد من أن يحمل سلاحه ذات يوم لكي يدافع عن سيده ضد الجياع و المظلومين بالذات و هي مسيرة افتتحها الإقطاع في تاريخ المسلمين بإبادة أسرة النبي شخصيا و قصف الكعبة بالمنجنيق .
و الدين يحرم الكذب و يهدد الكذابين بقطع ألسنتهم . لكن (رجل الأعلام) الذي يعمل في خدمة نظام إقطاعي لا يستطيع أن يكف عن نشر الأكاذيب حتى إذا كان أخرس إنه ملزم بتسويق بضاعة بدائية فاسدة و ملزم بمخاطبة زبائن غاضبين لا يريدون الشراء و في ظروف تجارية من هذا النوع يبيح رجل الأعلام لنفسه أن يتكلم لغة الحواة و يعتبر خداع الزبون شطارة
و يسمي الكذب سياسة إعلامية بغض النظر عما سماه الله .
و الدين يحرم حكم الطاغية و يسمي الطاغية نفسه باسم (فرعون) لكن المواطن الذي يعيش تحت سلطة فرعون شخصيا لا يستطيع أن يردد هذا اللقب حتى في منشور سري إنه يعرف لغة الواقع و يعرف أن الطاغية اسمه ) سيادة الريس (و يهنئه بعيد ميلاده سنويا في إعلانات ملونة على صفحتين .
و الدين يحرم أكل السحت و يعتبر تبذير أموال الناس جريمة عقابها الحرق بالنار لكن الإقطاعي لا يستطيع أن يتوقف عن أكل السحت إلا إذا كان الدين يريده أن يموت من الجوع . فهذا رجل شبه معاق لا يجيد حرفة مفيدة و لا يصبر على مشقة العمل يحتاج يوميا إلى ثروات طائلة لدفع نفقات حراسه و تغطية طلبات مساعديه و شراء مديح الشعراء الذين تزايدت أسعارهم عصرا بعد عصر و إذا كان الله لا يريد أن ينزل لمثل هذا الحاكم كنزا من السماء فلا مفر من أن يأخذ الحاكم حاجته من الأرض إنه يأكل السحت و ينفق في يوم واحد ما لا يكسبه غيره في ألف سنة و يشتري لنفسه من ضمائر (علماء الدين) ما يكفي لضمان حصته (علميا) في الجنة .
إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة في مجتمع غير شرعي مثل مجتمعنا العربي الحالي فكرة تعوزها روح العلم و الورع معا. لأنها مجرد شعار حزبي مفصل على مقاس حزب سياسي يريد أن يكسب معركة السياسة بسلاح الدين و هو شعار مريب له إغراض غير دينية منها أن يضمن سلطة الفقهاء , في عصر لا يحتاج إلى فقهاء أصلا . ومنها أن يسد الطريق أمام الدعوة الحقيقية الوحيدة القادرة فعلا على تطبيق الشريعة إن ضرب المسلمين باسم الإسلام حل لجأ إليه الإقطاع في جميع العصور لكنه حل يائس و قصير النظر جد .
فالواقع أن الشرع الإسلامي لا يمكن تطويعه لخدمة أغراض الإقطاع لأنه لا يعيش معزولا في صوامع رجال الدين بل يعيش بين الناس في كتاب بلغتهم العربية يخاطبهم مباشرة من دون مترجمين و يقول لهم كل يوم إن أول شرط لتطبيق الشريعة هو إنهاء مجتمع الإقطاع و في وجه هذا المنشور السماوي لا يملك الإقطاعيون و حلفائهم حلا سوى أن يجلسوا في انتظار القارعة .
فالمواطن العربي الذي تخوفه الأحزاب الدينية من شر الشيطان آملة أن تكسب صوته في الانتخابات يعرف لغة الإسلام و يعرف أن عدوه ليس اسمه الشيطان بل اسمه ((فرعون))
و أن التعويذة الوحيدة ضد هذا العدو المميت هي إحياء الشرع الجماعي و إنهاء الوصاية على مصير الناس.
المواطن العربي يملك نسخة من القاموس الأصلي و يعرف أن تطبيق الشريعة يحتاج أولا إلى مجتمع شرعي و أن الناس الذين يعيشون تحت سلطة فرعونية لا يملكون مثل هذا المجتمع
و ليس بوسعهم أن يطبقوا فيه شريعة أخرى سوى شريعة فرعون .
فالقانون الذي يحكم بقطع يد السارق في مجتمع إقطاعي لا يستطيع أن يسري على جميع الأيدي السارقة و ليس بوسعه أن يحمي الناس ممن يسرقهم علنا .
و القانون الذي يحرم دفع الفوائد المصرفية في نظام إقطاعي لا يحرم الربا بل يحارب الادخار إنه لا يستطيع أن يمنع عمليات الربا الحقيقية مثل التلاعب بالأسعار و احتكار السلع
و زيادة الرسوم الجمركية و رفع نسبة العمولة لأن هذه العمليات تتم فوق رأس القانون داخل غرف مغلقة تحت حراسة رسمية من رجال القانون بالذات .
و القانون الذي يحرم الاختلاط بين الجنسين ليس تشريعا دينيا ضد الرذيلة بل حلا إقطاعيا لتمرير الرذيلة بضمان من الشرع فمنع الاختلاط يغلق باب العمل الشريف في وجه المرأة
و يحرمها من حقها في التأهيل المهني و يجعل جسدها هو سلعتها الوحيدة القابلة للتسويق مما يحيلها بقرار (شرعي) إلى مخلوق معاق يتوقف بقاؤه على بقاء الإقطاع بالذات و وراء جدران البيت الإقطاعي تتحول المرأة إلى جارية و تسري عليها شريعة الجواري من إنكار حقها في الطلاق إلى إنكار حقها في الهرب و إلزامها بالعودة إلى بيت الطاعة تحت حراسة الشرطة .
و القانون الذي يمنع القمار و الخمر في مجتمع إقطاعي لا يمنعها فعلا بل يجعلهما لعنة ضرورية . فالمواطن لا ينفق حياته في شرب الخمر و لعب الورق لأنه رجل فاسد بل لأن حياته نفسها فاسدة و جوفاء و كئيبة و لا تحتوي شيئا مفيدا أصلا و هي كارثة تحيق بحياة الناس في ظل الإقطاع بالذات و تنشر روح الضياع بينهم و تحيل جلسات الخمر و القمار إلى منافذ سهلة للهرب . و إذا شاءت الشريعة أن تدين هذا الواقع من دون أن تدين أسبابه فإنها لا تحد من انتشار الخمر و القمار بل تجعلهما وباء سريا .
إن كل قانون تسنه الشريعة تحت سلطة الإقطاع يصبح قانونا مسخرا لخدمته و كل سلاح تشهره الشريعة للدفاع عن الناس يتحول إلى سلاح ألهي ضدهم لأن الخلطة نفسها مستحيلة من أساسها و غير مستوفية لشروط الدين.
فالإسلام الذي يبشر به القرآن ليس شريعة تطبقها دولة بل دولة أخرى في حد ذاته : إنه نظام محدد في الحكم يقوم على مبدأ الشرع الجماعي و يعتمد إدارة جماعية و إذا شاءت الأحزاب الدينية أن تطوع هذا الشرع الجماعي لخدمة رجل واحد أو حزب واحد فإن النتيجة الوحيدة المتوقعة من وراء هذا السحر السياسي هي أن تقوم الدولة الإسلامية و تسقط دولة الإسلام .
و تسقط حكومة الناس و يغيب الحوار السياسي و يخسر المواطن صوته حتى يصبح مواطن أخرس و غير مسؤول شرعا عما يقال على لسانه بجميع الأصوات .
و بعد ذلك يسود الصمت . و يفقد الناس حقوقهم في الأشراف على جهاز الدولة فتتحول الميزانية العامة إلى ثروة خاصة و يتحول الجيش إلى شرطة و تصير الأمة مجرد (رعية)
و يتبنى القضاء شريعة الراعي حتى يصبح الذبح و السلخ و الحلب وجز الصوف أشغالا حكومية .
و بعد ذلك يسود الهلع . و يفقد الناس قدرتهم على تحكيم العقل و يكتبون لأنفسهم شريعة تقطع يد لص و تأمر بتقبيل يد لص آخر متعمدة أن تقول صراحة إن الله الواحد له لسانان في شريعة الخراف . و بعد ذلك يغضب الله الواسع الرحمة , و يرحم هذه الخرفان بالتخلف العقلي


انتهى المنشور الخامس .
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منشورات سرية للغاية ....

مُساهمة من طرف None في الإثنين نوفمبر 23, 2009 3:28 am

المنشور السادس



إذا وقف رجلان فوق التلة وأشار أحدهما إلى القمر بإصبعه و أشار إليه الآخر بعكازه فإن ذلك لايعني أن القمر إصبع أو عكاز بل يعني أن الناس يشيرون أحيانا إلى شيء واحد بأدوات مختلفة هذه الحقيقة المألوفة تظل مألوفة و غير مزعجة حتى نتذكر ما يحدث في اللغة .
فاللغة أيضا أداة إشارة إن كل كلمة فيها مجرد إصبع أو عكاز يشير إلى شيء آخر و ليس إلى الكلمة في حد ذاتها و إذا شاءت ظروف ثقافة ما أن تغيب هذه الحقيقة عن أعين الناس
و تخلط في قاموسها بين الكلمة و معناها فإن ذلك خطأ عقابه دائما أن يكسب القاموس كلمة
و يخسر الناس ضوء القمر فمثلا :
كلمة السلام أداة إشارة إلى واقع ملموس في أرض الواقع .إنها ليست ستة حروف بل إنها عمال و أطفال و نساء و مراهقون ينعمون بالسلام في مجتمع محرر من الفقر و الخوف
و المرض و إذا اختار الناس أن يستبدلوا الحروف بمعناها و يكتفوا بترديد كلمة السلام عليكم للتحية في ما بينهم فإن ذلك عقابه طبعا أن تزداد التحيات كلمة و يخسر الناس نعمة السلام . و مثلا :
كلمة مسلم أداة إشارة إلى مواطن مسلم في أرض الواقع صفته الأولى أنه لا يعيش في غابة بل في جنة لأنه مواطن في مجتمع محرر من سلطة الأقوياء و إذا اكتشف أحد ما تعريفا آخر للإسلام و تعلم المواطن أن يعيش مسلما خاشعا في غابة فإن اللغة تكسب تعريفا فقهيا لكن الناس يخسرون الجنة
ومثلا :
كلمة الرحمة أداة إشارة إلى أن قوانين رحيمة في واقع الناس لا تهضم حق العامل أو الطفل أو المراهق أو المرأة و العجوز و إذا اختار الناس أن يقبلوا الكلمة بديلا عن معناها تذهب الرحمة إلى الموتى و لا أحد يرحم الأحياء .
ومثلا :
كلمة القرآن أداة إشارة إلى شرع جماعي مسؤولة أمامه كل الجماعة إنه ليس كتابا للمطالعة بل دستور للتطبيق العملي في جهاز الإدارة و إذا اختار الناس أن يصبح القرآن هو كلمات القرآن و ليس شرعه الجماعي يزداد عدد الكتب المقدسة واحدا و يتاجر المشعوذون بآيات الله في التعاويذ لشفاء المرضى من دون أن يشفى بعون الله ريض واحد .
ومثلا :
كلمة الديمقراطية أداة إشارة إلى نظام رأسمالي يحفظ توازنه بتوزيع السلطة بين العمال
و أصحاب رأس المال إنها ليست كلمة أوربية بل شركات أوربية و رؤوس أموال عاملة في الخارج و اتحادات عمالية منظمة و إذا اكتشفت السياسة في وطن فقير مثل الوطن العربي ديمقراطية أخرى دون عمال و لا رأس مال و ذهب العرب طائعين وراء هذه الخدعة فإن الديمقراطية لا تتحقق في أرض الواقع لكن العرب يتورطون في كلمة أجنبية صعبة النطق
ومثلا :
كلمة وطن أداة إشارة إلى أرض آمنة محررة من الخوف و الحاجة إنها ليست تراب الوطن بل دستوره الشرعي و إذا شاءت وسائل الأعلام أن تغيب هذه الحقيقة عن واقع الناس فإن ذلك يخلق إعلاما وطنيا عالي الصوت لكنه لا يخلق الوطن نفسه .
إن الكلمة التي تصبح بديلا عن معناها تصبح مجرد فكرة تائهة في الفراغ و تدخل تلقائيا في باب التيه المدعو باسم الأيديولوجية فهذا المصطلح المغترب في لغتنا جاء للتعبير عن واقع غريب حقا ( 1 ) .
إنه لايعني العقيدة لأنه لا يشترط التطبيق العملي بل يشترط أداء الطقوس ويقوم على افتراض مؤداه أن الكلمة هي الفعل نفسه و أن الأفكار تعيش في اللغة و ليس في واقع الناس فاليهود هم شعب الله المختار لأن لغتهم العبرية تقول إنهم كذلك و ليس لأن سلوكهم اليومي له علاقة بحب الله و بهذه المغالطة المميتة تستطيع الأيديولوجية أن تعيش في لغة الجماعة من دون أن تلمس واقعها و أن تكون أفكارا مضيئة في وطن مظلم و بديلا عن الأمان في وطن خائف
و بديلا عن العدل في وطن مقهور إن الأيديولوجية تستطيع أن تتكلم بينما جميع الناس ساكتون و ذلك للأسف ما حدث للإسلام في غياب شرعه الجماعي .
لم يسكت صوت القرآن و لم يكف الناس عن الصلاة و الصوم و الحج و إيتاء الزكاة .
لم تغب شعائر الإسلام , لكن الإسلام نفسه أصبح أيديولوجية تعيش في لغة الناس و ليس في واقعهم و هي محنة ثقافية قاسية علامتها أن يتورط المواطن في لغة بديلة عن لغة الواقع كما يبدو العكاز بديلا عن القمر . إن مصطلحات الشرع الإسلامي تعايش هذه المحنة منذ عصر معاوية .
فقد تسبب غياب الإدارة الجماعية في عزل الدين عن الدنيا و أطلق يد السياسيين في تبرير هذه المخالفة تبريرا فقهيا مؤداه أن الدنيا نفسها ليست نهاية المطاف و أن المسلم الذي يخسر حقه في هذه الدنيا (يعوضه الله منه في حياة أخرى ) هو تفسير يريد أن يبدو إسلاميا , لكنه في الواقع ليس إسلاميا جدا .
فالإسلام لا ( يعوض ) الناس عن خسائرهم بل يضمن لهم أن يحصدوا ما زرعوه و هو طرح جديد و طارئ على تاريخ الأديان مثل دستور الحكم الجماعي نفسه .

فحتى القرن السابع كانت فكرة الحياة بعد الموت سلاحا في يد المؤسسات الدينية تسخره للدفاع عن نصيبها في الإدارة باعتبارها سلطة (غير دنيوية ). و قد عمد اليهود الفريسيون إلى استغلال هذا السلاح في تكفير خصومهم السديوسيين و حرمانهم من البعث في حياة أخرى فيما طوره قداسة البابا في وقت لاحق و انشغل ببيع صكوك الغفران لمن يشتري مكانا في الجنة .
كانت الحياة الأخرى تضمن للمؤسسات الدينية سلطة دستورية في هذه الحياة الدنيا و كانت كل الطرق إليها تمر رسميا من خلال المؤسسة و طوال الفترة الواقعة بين عصر سومر في الألف الثالثة قبل الميلاد و ظهور الإسلام كان رجال الدين قد طوروا فكرة الحياة بعد الموت إلى صناعة كهنوتية على درجة عالية من التخصص و التعقيد و كانت لغة السحرة قد ألغت لغة الدين و نجحت في إقرار حلول سحرية بحتة للمشاكل المميتة في واقع الناس من علاج المرضى بالتعاويذ إلى استغلال شقاء المواطنين بحضهم على ضمان تعويضهم بعد الموت عن طريق القرابين و أداء الطقوس و الاعتراف للكاهن .
لم يكن المواطن مسئولا عن مصيره في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى بل كان مصيره يتقرر تلقائيا في يوم مولده , فالإقطاعيون يولدون في الأسر الإقطاعية و الفقراء يولدون في الأسر الفقيرة و المختارون يولدون في شعب الله المختار و الموعودون بالجنة يولدون في كنيسة مخصصة لغفران الذنوب و إذا كان البروتستانت قد عادوا فأصلحوا هذا الانحراف في وقت متأخر حقا بعد أحقاب طويلة قضاها الأوربيون في تلقي المغفرة من القسس أملا في الصعود إلى مملكة في السماء تعوضهم عن ضياع مملكتهم في الأرض و هي أحقاب امتدت في ظلام العصور الوسطى منذ إنشاء الكنيسة خلال القرن السادس إلى عصر مارتن لوثر في القرن السادس عشر إن الإسلام أصلح هذا الانحراف قبل أن يولد مارتن لوثر بزمن قدره 793سنة فقط .
لم يقبل الإسلام نظرية الشفاعة لم يخول المؤسسة الدينية سلطة غفران الذنوب لم يعترف أساسا بما يدعى رجال الدين . لقد جعل الحياة الأخرى مثل الحياة الدنيا مسؤولية في أيدي الناس أنفسهم ( فمن يعمل مثقال ذرة خير يره . و من يعمل مثقال ذرة شر يره ) سواء في حياته أو بعد مماته بغض النظر عن لونه وعقيدته و بغض النظر عما يقوله رجال الدين . إن الإسلام يطرح قضية الحياة بعد الموت من منظور يختلف عن منظور المؤسسة الدينية في ثلاث قواعد جديدة على تاريخ الدين :
الأولى : إن الحياة بعد الموت ليست تعويضا عما خسره الناس في هذه الحياة لأن الجنة ليست للفقراء بل للصالحين
و الثانية : إن عمل الإنسان و ليس ما يقوله أو يقرأه هو الذي يقرر أين يريد الإنسان أن يذهب سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى .
و الثالثة : علم ما بعد الموت اسمه في الإسلام عالم الغيب الذي لا يعرفه أحد و لا يجوز أن يدعي معرفته سواء باسم العلم أو باسم الدين .
فماذا حدث في عصر معاوية ؟؟
لقد سقط نظام الإدارة الجماعية و سقطت معه مسؤولية الناس عن مصيرهم في هذه الحياة الدنيا و تقدم الفقهاء لحل معضلة لا يملكون لها حلا و خلال وقت قصير كان الفقه الإسلامي يفسر الإسلام بأسره تفسيرا قائما على التبشير بجنة سماوية في حياة أخرى و كانت فكرة الجنة في هذه الحياة أو على الأقل نصف الجنة قد خرجت من حسابات الفقه الإسلامي إلى الأبد . إن الإسلام الذي لا يعترف بسلطة رجال الدين يعيد رجال الدين تفسيره باعتباره إسلاما لا علاقة له بالسلطة . ( 2 )
لم تعد الحياة الأخرى هي عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله بل صار لرجال الدين علم بها
و صار بوسع بعضهم أن يصفها للناس بالشبر و الذراع.
لم تعد كلمة مسلم أداة إشارة إلى مواطن محرر من شرع الأقوياء يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته بل أصبحت لقبا يحمله مواطن غير مسؤول عن مصيره في الحياة الدنيا أو مصيره في الآخرة .
لم تعد كلمة السلام أداة إشارة إلى سلام ملموس في حياة الناس بل أصبحت تحية يتبادلها المسلمون في واقع لا يعرف السلام .
لم تعد كلمة الرحمة أداة إشارة إلى قوانين إسلامية رحيمة بالطفل و المراهق و المرأة
و العجوز و الغريب بل أصبحت دعاء للميت قبل الحي لكي يرحمه الله في حياة أخرى .
لم يعد عدل الله يشمل الدنيا و الآخرة بل أصبحت الدنيا رهنا بالحظ و الأنساب و اقتصر عدل الله بين الناس على الناس الميتين .
إن لغة الإسلام, تتحول على يد الفقه إلى لغة تتحدث عن (عالم الغيب) . و تصبح بذلك لغة غائبة لا تقول شيئا له علاقة بواقع الناس و في ثقافة خرساء إلى هذا الحد يفقد المواطن قدرته على النطق و يتراجع شرع الجماعة و يغيب عدل الله عن عالم الناس من دون أن يغيب اسم الله عن لغتهم و هو ما حدث في تاريخ الإدارة الإسلامية منذ عصر معاوية و لا يزال يحدث علنا حتى الآن .
فمثلا :
لا يزال القاضي المسلم يتعمد أن يصدر حكمه باسم الله و هو إجراء يعني ضمنا أن القاضي قد ضمن نزاهة التحقيق, لأنه يعيش في مجتمع محرر من أهواء السلطة و رغم أن هذا الشرط لم يتوافر لقاضي مسلم واحد منذ عصر معاوية فإن كل حكم يصدر في محاكم المسلمين يصدر باسم الله.
ومثلا :
كل دولة إسلامية تعلن في دستورها إن الإسلام دينها الرسمي مما يعني ترجمته حرفيا أن الإدارة نفسها إدارة جماعية و هو نظام لم تعرفه الدولة الإسلامية منذ عصر معاوية أيضا لكن أحدا لا يتنازل عن حصته من الإسلام .
ومثلا :
لا يزال المواطن المسلم يتلقى في المسجد دروسا في الدين الإسلامي و لا يزال يسمع في الحديث أنه ( راع ) و أنه مسؤول عن رعيته لكن أحدا من المواطنين المسلمين الذين ولدوا منذ عصر معاوية حتى الآن لم يرع أبدا سوى بعض الخرفان .
ومثلا :
لا تزال جمعيات الدعوة الإسلامية تنفق أموالا طائلة لنشر الإسلام بين الأمم رغم أن الإسلام لم ينتشر بين أمة المسلمين أنفسهم الذين خسروا شرعه الجماعي منذ عصر معاوية.
ومثلا :
لا تزال الإذاعات الإسلامية تفتتح برامجها بآيات بينات من كتاب الله الحكيم لكن برامج هذه الإذاعات نفسها لا تزال أشهر نماذج الدجل الإعلامي الخالي من روح البيان و الحكمة .
إن (ترجمة) الإسلام من شرع جماعي قائم على حق كل مواطن في تقرير مصيره حيا و ميتا إلى وصفة فقهية لدخول الجنة في حياة أخرى ترجمة بعيدة عن أصل النص أملتها حاجة الأمويين إلى إدارة تتكلم بلغة الإسلام دون أن تتكلم عن شرعه الجماعي وهي حاجة لم يكن بوسع الفقه أن يلبيها إلا بإنهاء العلاقة بين لغة الدين و لغة الدنيا و العودة إلى قاموس السحرة القديم في الإسرائيليات التي ظهرت فجأة على يد علم فقه جديد اسمه علم الحديث و السنة

الهوامش :
( 1 ) تستطيع الأيديولوجية أن تعيش في لغة الناس دون أن تلمس واقعهم . فعندما كان الخليفة المنصور يضرب قرى الفلاحين بجيوشه النظامية في شرقي العراق و ثورة الزنج تجتاح البصرة و الناس تعاني المجاعة بسبب ارتفاع أسعار الدقيق كان الفقه الإسلامي في أوج مجده و ازدهاره و كانت مملكة الفقهاء قد اتسعت لكي تضم طوائف لا حصر لها منها في جبهة السنة : القدرية و الدهرية و الجهمية و المجسمة و الحشوية و المرجئة و منها في جبهة الشيعة : الأمامية السبعية , و الأمامية الأثنى عشرية و الإسماعيلية و السبئية و العليائية
و الكيسانية و السليمانية و الخطابية و الراوندية و النعمانية و الشرمقية . و كان الحماس يبلغ أشده بين هؤلاء الفقهاء المتجادلين إلى حد استعمال العصي و التشابك بالأيدي . قال ابن الأثير : ( تجادل رجل من الخوارج اسمه عبيدة مع مساور , و كان الخلاف بينهما على توبة الخاطيء . فقال مساور (( تقبل توبته )) و قال عبيدة ((لا تقبل )) فجمع عبيدة جمعا كبيرا , و سار إلى مساور , فتقدم إليه مساور بجيش من أتباعه . فالتحموا بنواحي جهينة بالقرب من الموصل في جمادي الأول سنة 275هجرى و اقتتلوا اشد القتال ) .
الصفة الظاهرة في هذه الأيديولوجية إنها تستعمل لغة القرآن لكي تتحصن بكتاب الله و ليس بشرعه الجماعي مما يجعلها تنطق في الظاهر بلسان الإسلام و تعمل في أرض الواقع بمثابة بديل منه في مسرحية متقنة لا يكشفها سوى أن مفهومات لغة الأيديولوجية لا تتحدث أبدا بلسان الجماعة .
فالعفة مثلا تعني في الأيديولوجية التي خسرت شرع الإسلام الجماعي عفة المرأة و عفة اللسان لكنها لا تعني عفة المجتمع الإسلامي نفسه الذي تزدحم فيه الجواري و الخصيان
و المتسولون .
و الأمانة مثلا تعني في الأيديولوجية إعادة الحق إلى أصحابه لكنها لا تعني إعادة حق الطفل و المراهق و المرأة و العجوز في بنود الميزانية العامة .
و الصدق مثلا ليس هو أن يكون المجتمع صادقا ويكف عن الكذب العلني في صحفه و إذاعاته بل هو أن يلتزم المواطن الوحيد بعدم الكذب .
و التقوى مثلا ليست هي أن يكون المجتمع تقيا و يحرر نفسه من مصالح المرابين و المرتشين و أصحاب الوساطات بل هي أن يكون المواطن تقيا في مجتمع يزدحم بالمرابين و المرتشين و أصحاب الوساطات .
كل فضيلة سنها شرع الإسلام الجماعي بمثابة مسؤولية جماعية أصبحت في ايديولوجيا الإسلام مسؤولية مواطن واحد قد يقوم بها أو لا يقوم بها دون أن يغير ذلك من الواقع شيئا . فالأيديولوجيا في حد ذاتها هي الواقع وهي كل ما يملكه الناس بين أيديهم في غياب الشرع الجماعي .
ردا على هذا الانحراف شهد تاريخ الإسلام صياغتين لمعنى الثورة إحداهما تدعو إلى تدمير الإدارة الإسلامية بالقوة مثل ثورة القرامطة و الأخرى تدعو إلى تحرير الإدارة من سيطرة الأيديولوجية و هي الصياغة التي اشتهرت على يد الحسين بن منصور الحلاج باسم نظرية الحلول في محاولة أكاديمية لإلغاء مسؤولية الفقهاء عن الدين .
فقد جرب الحلاج أن يستعيد مبدأ الإدارة الجماعية في الإسلام اعتمادا على لغة الإسلام و أنكر مسؤولية الفقهاء و كان يردد ( اتقوا فراسة المؤمن , إنه ينظر بنور الله ) . و عندما أطبق الفقهاء على الحلاج و قدموه للمحاكمة التي خلدت اسمه في التاريخ لم يكن الفقهاء يحاكمون رجلا بل كانت الأيديولوجية الإسلامية تحاكم شرع الإسلام نفسه و كانت الكارثة قد تصاعدت فجأة إلى هذا الحد .
إن قاضي الحلاج و هو فقيه مشبوه أسمه أبو الحسين بن الأشناني يفتتح الجلسة بقول الله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم ) . و باختيار هذه الآية يكون القاضي قد أدان الحلاج سلفا و علق في عنقه الجرائم التي ارتكبتها الأيديولوجية الإسلامية ضد شرع الإسلام الجماعي بموجب نص من القرآن نفسه :
فالحلاج الأعزل الذي ينادي بحق الناس ضد الدولة و المؤسسة الدينية , أصبح هو عدو الله
و رسوله .
و الدعوة إلى رفع الظلم عن أهل الأرض الجياع , أصبحت هي الفساد في الأرض .
و المحكمة المنعقدة تحت سلطة الوزير أبي الحسن بن الفرات أصبحت هي الشرع العادل المستمد من كتاب الله .
و الفقيه ابن الأشناني الذي قيل عنه إنه ( أنف في السماء و إست في الماء ) أصبح هو الناطق الرسمي , باسم الله و رسوله معا .
( 2 ) في كتاب الإشارات الآلهة قال أبو حيان التوحيدي مخاطبا الفقهاء : ( ... و العجب أنك أيها العالم الفقيه و الأديب النحوي تتكلم في إعرابه و غريبه [ يقصد القرآن ] و تأويله و تنزيله و بأي شيء تعلق و كيف حكمه في ما خص و عم و دل و شمل و كيف وجهه و كيف ظاهره و باطنه و مشتمله و رمزه و ماذا أوله و آخره و أين صدره و عجزه و كنايته و إفصاحه و كيف حلاله و حرامه و بلاغته و نظمه و غايته و درجته و مقامه و من قرأ بحرف كذا و بحرف كذا ثم لا تجد في شيء مما ذكرتك به و وصفتك فيه , ذرة تدل على صفائك في حالك و إدراكك ما لك , بل لا تعرف حلاوة حرف منها فعلمك كله لفظ و روايتك حفظ , و عملك كله رفض( ..
إلى متى نعبد الصنم بعد الصنم , كأننا حمر أو نعم ؟ إلى متى نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا . إلى متى ندعي الصدق , و الكذب شعارنا و دثارنا ؟ .. إلى متى نستظل بشجرة , تقلص عنا ظلها , إلى متى نبتلع السموم , و نحن نظن أن الشفاء فيها ؟؟


انتهى المنشور السادس .
avatar
None
عضو فعـــال
عضو فعـــال

ذكر
عدد الرسائل : 63
العمر : 36
البلد : سوريا
تاريخ التسجيل : 27/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى